السبت، 12 يونيو، 2010

النساء والمجهول
عباس كربول








في البيت المتداعي .. المركون في أحد جوانب الشارع العام تبدو الحياة ساكنة أو شبه متوقفة ، على الرغم من ضجيج المارة والسيارات .. فبابه السوداء . وبصمات الزمن الماضي ، وكآبة البناء .. كلها تجثم على شرفاته المتداعية وحديقته القاحلة إلا من بقايا أدغال ونباتات شوكية تشي بالصمت الموحش والإهمال.

نادرا ما تتحرك الحياة في شرايين البيت . فهو لا يعرف غير الهدوء والصمت الجليل ودبيب أقدام هادئة تسير في جنباته لنساء غريبات عن المدينة يحاولن أن يبنين لهن حياة خاصة داخل حجراته ، تتفق مع حاجاتهن اليومية البسيطة ، فيتحول البيت الى غرف نظيفة أنيقة.

حاولن جهد الإمكان أن يجعلن من البيت ملاذا يقضين فيه شطرا من العمر . كن جميعا بعمر الزهور الناضجة التي قدمت الكثير في تربتها الأصلية . فأينعت وردا ذا رائحة عطرة زكية تفعم القلب وتسر الناظر . وكان الصمت الرزين يخيم على جنبات البيت إلا في أوقات قليلة يصدح فيها صوت القرآن الكريم .. أو ربما موسيقى هادئة تتماوج في جنبات الدار وتبعث خدرا لذيذا في الأجساد المتعبة طوال اليوم في العمل.

هكذا هو البيت .. صومعة هادئة ، أو معبد منسي تسكنه مجموعة من النساء أشبه بالملائكة حسنا ورقة . بيت له قدسيته وسكونه وجلاله .

فجأة .. وفي صباح يوم غريب .. عج البيت بالضجيج وراحت أقدام رجال شتى تدق أرضيته و تدور في حجراته . فيما انتشرت الأنباء عبر مواسير الأفواه البشرية تتحدث عن سرقة البيت الآمن المستقر وراحت أفواج من الشرطة والإدارة تدقق وتناقش وتستنتج.

أما النساء فقد كن ثلاثاً .. إحداهن كُسِرت باب غرفتها وتبعثرت أمتعتها فوقفت مندهشة متوردة الوجنتين فيما ظهرت التجعدات على جبينها الغاضب وانتابتها مشاعر ما بين القلق والخوف والتحسب.. الأفكار تدور في رأسها المتعب في ذلك الصباح اللعين .. لماذا ؟ لماذا أنا ؟ .. تسأل نفسها .. تسأل الآخرين . أسئلة تدور في ذهنها . ولكن الإجابة تبقى مجهولة . وفي الصدر غصة ، فينمو بداخلها خيط من الشك والخوف : تبحث في سجل تعاملها اليومي فلا تجد غير الإخلاص ومحبة الناس والمرضى . تتذكر : ربما يكون هو .. ذلك الذي قالت له : " زوجتك في خطر ، لا يوجد ما يفيدها في المستشفى .. نقص "

وقبل أن تكمل انفجر غاضبا وتركها.

الصمت الحزين الوقور يجلل وجهها الغاضب .

أما الأخرى فقد ارتدت " ربطتها " البيضاء والذهول يلفها برفق كمن فقدت شيئا عزيزا .. لم تستطع أن تتكلم . لم تجد تفسيرا لهذا الغريب المجهول الملعون الذي دخل البيت . تحدث نفسها : ربما كان هو .. ذلك الرجل الطاعن في السن . حين قالت له " لا يوجد هذا الدواء " ثارت ثائرته في شباك الصيدلية وكاد يبصق عليها.

أما الثالثة .. فقد ظلت واجمة مجللة بالصمت والهدوء ولكنك تحس بخوفها المقدس وتحس بضربات قلبها الأبيض الناصع النقي . وحركة شفتيها الراعشتين تعبيرا عن القلق المشروع والخوف من هذا الذي دنس قدسية مكانهن – تجفل .. إنه هو .. ذلك الرجل الذي طالبته بورقة من الشرطة لشكها بأنه هو السبب في ضرب زوجته .. ثارت ثائرته وتكلم بلغة غير مفهومة .. وصراخ طويل ممدود.

الزمن الملعون يمضي ببطء في تلك اللحظات والشكوك من الأسئلة تدور والضجيج يخفت .. ولم يبق سوى الرؤوس الثلاثة لنساء موزعات بين أسئلة وأفكار ..

قالت الأولى : إنه مجنون .

قالت الثانية : إنه طفل لا يعي ما يفعل .

قالت الثالثة : إنه غبي ، حتما غبي .

عند المساء .. ظلت الأفكار تتناوب فتطرد النوم .. وعند الصباح .. ودعن المدينة .. الى حيث الأهل .. تاركين وراءهم كل شيء ..

إنهن يبحثن عن النوم بهدوء وسكينة .



1/4/2001

ليست هناك تعليقات: