الاثنين، 31 مايو، 2010





قصص قصيرة جداً

حسين التميمي






تأبط وهما

أثنى مرفقيه وظل ساكنا متقوسا ما بين الوقوف والقرفصة ، فاغر الفم معوج الرقبة ، في انكسار مذل بثياب مهلهلة ، عيناه الوديعتان تتسقطان بإطراقة متسول ، حركات الشفاه لأولئك الأدباء المتحلقين حول الطاولة ، وحواسه تلتقط صورة احتدام النقاش فتنعكس على شكل تهدلات بلهاء في شفتيه المرتخيتين واللعاب يسيل منهما على جانبي فمه بصورة مقرفة فلا يعمد إلى إزالته ، بل يظل ساكنا في وضعه المؤلم ما بين الوقوف والقرفصة ، في انتظار دائم لشيء ما .

من أقصى المقهى صاح أحدهم .

ـــ ارموا له بعظمة كي ينصرف .

لم ينتبه إليه الأدباء الجالسون في صدر المقهى ، لكن الحزن أصابني حال سماعي لتلك الملاحظة الساخرة ، فقد كنت يوما ما أعرف هذا المثني المرفق / يوم كان يصول ويجول في المحافل الأدبية بحثا عن الشهرة ، ثم يخبرني حين يلقاني في شارع أو مقهى ، انه قد اصبح شخصا مهما ذائع الصيت ، فمرة يزعم انه قد صار شاعرا فطحلا يفوق المتنبي والمعري والجواهري ، ثم يمد يده باحتفال مهيب وصدر منتفخ ليريني قصاصة ورق اقتطعها من جريدة ، فأقرأها من اليمين إلي اليسار ومن اليسار إلى اليمين دون أن اصل إلى فك طلاسمها ، عندها يعمد هو إلى انتشالي من عار قصوري عن الفهم ، بتواضع زاعما إن هذه القصيدة قد كلفته عاما ونصف من الكتابة ، وانه قد اختزل فيها خلاصة تجاربه السريالية والبنيوية والتفكيكية ، ومرة يريني قصة زاعما أنها فتح جديد يضع كل من موباسان وأدغار الن بو ومحمد خضير في متحف التاريخ الطبيعي ، ومرة يخبرني بأنه قد اصبح ناقدا لاذعا يخشاه الجميع لسطوته التي اكتسحت كل التجارب والخبرات ، مستعينا بذكائه الألمعي في سرقة كل ما ليس له بشراهة منقطعة النظير ، فحينا يخبرني أحدهم بـأنه يقوم بسرقة القصائد وقراءتها لكتاب القصة أو الرواية وآخر بأنه يقوم بسرقة القصص وقراءتها لبعض الشعراء ، وآخر عن سرقة لا أعرف ماذا وقراءتها للا أعرف من ، في خلطة غريبة عجيبة تبعث على الشعور بالغثيان ، ومرة إلتقيته يرتدي بزة أنيقة على غير عادته فادعى انه على موعد غرامي مع امرأة اعرفها تكتب القصة ، وحين كاشفته باستغرابي للأمر ، وان هذه الأديبة ذات سمعة طيبة ، انتفخ كالطاووس وراح يختال أمامي بزهو وهو يؤكد لي انه على علاقة بأغلب حسناوات الوسط الأدبي ، وأن هذه العلاقات لا حدود لها ، وكان من الممكن أن تستمر أكاذيبه وخداعه للآخرين لولا انه وصل إلى مرحلة بدا فيها مصدقا لكل الأكاذيب التي اختلقها ، فصار لا يرضى لأحد أن يناديه سوى بالأستاذ الأديب الشاعر القاص الروائي الفذ ،وقد جاراه البعض في إسماعه هذه الألقاب سخرية أو إشفاقا ، ليقينهم انه يشكوا من أمراض نفسية شتى ، لكن المصيبة انه عدها شهادة من أدباء عالميين ويجب أن تؤخذ بالحسبان ، متناسيا انه كان من قبل يشكك في إبداع أولئك العالميين ويتهمهم بالسرقة ، وبالتالي فقد اصبح كل الذين ينفون عنه هذه الألقاب أعداء حقيقيين وينبغي التصدي لهم والقضاء عليهم ، فبدأ ينفث سمومه في كل المحافل والمجالس مشوها سمعة أعداءه المفترضين بأقذع الألفاظ وأشنع التهم مبدعا في ذلك أيما إبداع حتى أن خياله الذي كان عاقرا في إنتاج الأدب صار ثرا في الذم والوضاعة ، وإذ تحمله البعض ترفعا عنه ، لم يطق البعض الآخر تماديه فنصحوه أولا بكف لسانه عنهم فلم يرضخ ، وإنما تفاقم لديه الغرور متصورا انهم صاروا بالفعل يخشونه ويحسبون لـه ألف حساب ، وأن هذه المعارك ستوفر لـه الشهرة متذرعا بأن الغاية تبرر الوسيلة ، لذا قرروا أن يوقعوه في شر أعماله ، فمنهم من بدأ يفتش عن سرقاته الأدبية ، ومنهم من بدأ يفتش في ماضيه الحافل بالنقائص ، حتى إذا ما اجتمعت لديهم الأدلة والقرائن التي فاقت التوقعات ، عمدوا إلى استدراجه إلى أحد المحافل الأدبية ، متذرعين أن ثمة جائزة أدبية ستمنح لأديب شامل متكامل وأن أسمه في أول قائمة المرشحين ، وكانت لحظة لا تنسى حين حضر فأحاط به الحضور وراحوا يصفقون لـه بحماس فصار يتطلع في الوجوه غير مصدق لما يحدث حتى إذا ما استمر التصفيق لدقائق أخر، زال عنه الحذر وراح يرد التحايا بفخامة تتناسب والوهم الذي تملكه ، ثم سار بينهم منتشيا منتفخا بالغرور ، عندها انبرى لـه أحدهم منحنيا أمامه انحناءة حاجب لوالي وتقدم كي يدله على كرسي فخم يقع في صدر القاعة ، ثم انهم فاجئوه بإنارة المصابيح الكاشفة في وجهه ، وبتوجيه كاميرا فيديوية إليه ، فإذا به ينتفض واقفا كمن يستيقظ من كابوس مرعب ، لكن يبدوا انهم قد حسبوا لكل شيء حسابه ، فلم يفاجئوا برد فعله هذا وزيادة في إتقانهم للدور أبدوا استغرابهم واستنكارهم لـه زاعمين إن للجائزة شروط أبسطها هو إجراء حوار مع من سينالها ، فعاود الجلوس ودارت الكاميرا مع أول سؤال ، ومن ثم تناوبت الأسئلة بسيطة سهلة لا تتناسب وتلميذ مبتدئ ، لكنه وبدلا من أن يشك بالأمر راح يجيب عن الأسئلة ويبالغ بشرح أمور تافهة دون أن يتنازل عن اصطناع الوقار حد الانتفاخ ، حتى إذا ما مرت بضعة دقائق بدأ جسده ينتفخ أيضا وصار بالوسع التنبؤ انهم إذا ما واصلوا محاورته بهذه الطريقة فانه ربما سينفجر ، فسارعوا إلى سؤاله عن رأيه في الكاتب الذي يسرق من الآخرين نتاجهم فيضيف لـه ويحذف منه ثم يدعي انه نتاج قلمه ، عندها توقف عن انتفاخه المضطرد ، وقبل أن يجيب انهالوا باستفسارات مستقاة مما جمعوه عنه من فضائح وسرقات ، فأصابه التلعثم وابتلع ريق إحراجه وبان بروز حنجرته ككرة تتراوح صعودا ونزولا متوافقة مع تراوح أكاذيبه ، وتراجع شدقيه حتى كادا يصلا إلى أذنيه في حين بدا فمه يتسع بطريقة منفرة وكأنه قد فقد سيطرته عليه ، أما قبضتاه فقد راح يعصرهما بقسوة فاحمرّتا ولم يعد يعرف أين يضعهما ، والعظمة التي انتفخ بها في البداية نقص هوائها وبدأ حجمه يتضائل حتى صار يشغل نصف المقعد ، وتسارعت دقات قلبه بإيقاع تموسق مع طبول الفضيحة التي صارت تقرع أذنيه بدوي هائل ، فهم بالنهوض متعكزا على آخر أكاذيبه زاعما أن ما يحدث الآن هو مؤامرة دنيئة خطط لها أعداؤه ونفذها من كان يظنهم في صفه ، فأجابوه بصوت واحد ودون اتفاق مسبق بأنها ليست مؤامرة كما يظن وإنما قضية انتدبوا أنفسهم لها كي يجتثوه ويجتثوا أي عضو فاسد يحاول اعتلاء صهوة الأدب لتحقيق أمانيه الشريرة ، كان الكل يقفون وقفة رجل واحد أمامه ،ينظرون إليه باحتقار وهو ينقل أبصاره بينهم بذهول محاولا استيعاب حقيقة ما يحدث ومتخيلا شكل حياته القادمة بلا ألقاب أدبية وبلا أدباء والشهرة التي كان يسعى لتحقيقها تحولت إلى فضيحة وعار سيظل يلاحقه مدى الحياة ، فلم يجد من فعل يقوم به سوى مغادرة المكان ، لكنه انهار فوق المقعد قبل أن يستقيم بجسده ، وفغر فمه ثم تدلى لسانه وهو يهم بالكلام معترضا ، لكن مرفقاه انثنيا ، وبدلا من الكلام أخرج صوتا شبيها بالنباح / عندها كور أحد الأدباء المتحلقين حول الطاولة بضعة أوراق ورماها عاليا ، فطارت ثم هوت عند قدمي ،فصحوت من الذكريات ، ورأيته يخف باتجــاهي ملاحـقا الأوراق بعينيه وكأنه قد تعود منهم هذه المنة ، حتى إذا ما رأى مستقرها عند حذائي التقطها دون أن ينظر إلي وهرول مسرعا خارج المقهى ، كفعل كل يوم منذ أن أصابه ما أصابه .



معا

يمد يده ، يقتطف لها باقة أزهار من لوحة في جدار ، تمد يدها تمسك الباقة تشم عطرها ، تحس دفقا من نشوى تسري في أوصالها ،تدور سكرى في المكان ، ينظر إليها ، تنساب يديها بين يديه ، تسري إليه النشوى ، يغمض عينيه كما عينيها ، يدوران معا ، ثم ينسابان رويدا ، بلا خطو ، إلى لوحة أخرى في جدار ، يدخلانها ، يسلكان طريقا صاعدا إلى التلال البعيدة ، طريقا تظلله أشجار ملونة ، يمضيان فيه حتى يصيرا صغيران كما فراشتان ، ثم يغيبان معا خلف التلال ، ولا يبقى في الغرفة إلا باقة أزهار .



مدى الروح

أشجار الليل تسترق السمع إلى خطوي الحاني . وخطوات الليل المتشيء في الطرقات تتثاقل ظلالها فتحط بعناد جاثمة فوق أنفاسي " داكنة هذه السماء كأن الأسود انتصار . وأنا منذ زمن لم افرح بالنهار" أي سخف من الشعر يراودني ؟ … أخرج من جسدي اسبقه في خطوه المتلكئ فوق إسفلت الطريق هذا الأحمق لن يسبقني سيعيقه صدره المتعب من كثرة التدخين ، أنه يجرجر قدميه بعد نهار من العمل الشاق ، يصبرهما بأمل الوصول وبلقيا العيال والزوجة وبالراحة والمأكل وبالفراش الدافئ ولوك الخيـال ، أي جمال ؟ ..أي خبال ؟! . لا لن أدعه يسبقني فأنا منذ الطفولة لم أخرج منه . ربما لهذا أشعر بالتحرر من حصار الجسد . فأطير عاليا ثم اهبط وأظل أعدو لاهيا كذاك الطفل الذي غفا مع النسيان ، أهفو مع الريح ، تكاد النشوة تبددني أصيح عليه معابثا – عليك أن تلحق بي .. وإلا …

التفت إليه فرأيته يحتضر ورأيتني منزوع الإرادة أعود إليه . أدخله ثانية . أفكر بمعزل عنه – علي أن لا أتركه ثانية … كي يعاود المسير فتحت ذؤابة شيخوخته المبكرة ثمة جمرة سؤال .



بـــــدايـة

مقوس الساقين ، يخطو فرحا وينظر إلى أفق بعيد بحبور وصفاء فمه منفرج يطير لعابه في وداع شمس تستحم في أحضان بحر بعيد . يحس بأنه اكثر طولا من يوم أمس . اكثر طولا من كل الأيام التي مضت في هشاشة ، ويعرف بأنه سيصل إلى بيتها هذه المرة ، ويجدها فيلمسها كما لم يفعل في حلم الأيام التي مضت في غرابة، هي قالت له بأنها ستنتظره . هي نادته من بين الصغار الذين فضحوا عورته في نوبة عبث هو محورها دائما .. هي نادته وقالت من بين لهاثه وعرقه : " كبرت يا ولد " …

" عبيط الحي " يطير به الفرح ويعلو فوق آماد بعيدة مفروشة بالنساء وأنهار الخمر والعسل .. ـ نساء في نساء … تلك حلوة الحي تصبّ الماء على صدر أمها ، وقد عادت مثلها حلوة صغيرة وتلك تشبهه – قد تكون أمه وتلك ربما أخته وتلك … كلهن يصرن جميلات ، يصرن أهله ـ ويحس دفء اللحم الذي لم يطعم منه ويختلط الحلم الذي يهدهد طريقه بصورة كالغبش في ذاكرته لرجل غليظ يلاحقه من زقاق إلى زقاق ، وقد ضبطه متلبسا بالنظر من ثقب صغير في حائط حمام نساء المدينة ! .. المجنون هذا …

يتلفت مذعورا يخشى أن يطلع له الرجل من عتمة ليل قديم فيسد عليه الطريق إلى أول امرأة أرادت أن تمنحه شيئا طالما حلم به .



ربــــمــــا

ادخل غمار اللحظة مندغما في كينونة تنبض بالتوجس والشك ، يساورني الحزن على ضياع شئ ما ، تكاد دموع طفل كسير ومحتجز تفر من عيني ، هي قالت لي .. سوف آتي بعد قليل ، ووعدتني أن لاأحد يؤذيني ، مددت يدي ، عندها ، أوشكت على لمس نبرتها المودَعه غير أن حرير صوتها كان قد أنسل من اسفل الباب التي أغلقت دوننا . فعرفت أنها أبدا لن تعود ، وان علي خوض معركتي وحيداً . ولكن .. حين تصير الوحشة نافذتي الوحيدة . اطل منها على صحراء روحي واشاهد كل الأشياء الندية تسارع إلى التبخر أو الفناء ، يزيغ بي البصر واوشك على الانهيار .

في البدء وسموني بالجنون سدوا دوني منافذ شتى كي يحرموني مما أريد تآمروا علي ،ّ أقالوني من عملي ، أشعلوا النار في غرفتي التي كنت اسكنها في نزل عتيق ، زعموا أنى مصاب "ببرنويا الحرائق"1 . أدخلوني مستشفى الأمراض العقلية . ثم جاءت هي ، قبلت يدي ورأسي وأخرجتني من المستشفى بضمانات لم افهم فحواها .. فرحت كثيراً حين وجدتني معها خارج الأسوار الشائكة . ولم أكن اعلم أني سريعاً سأعود من حيث خرجت ولكن .. اشك هذه المرة أنها ستقوى على إخراجي بالرغم من وعدها الذي بذلته لي قبل قليل .



في مدى الليل يزرع الشيطان وردة

يوغل في مدى الليل بعينين حائرتين من خلف نافذة صغيرة طبعت قضبانها المتصالبة في تجاعيد وجهه خطوطا حمر باهتة . يداه متدليتان من بين القضبان ومستنيمتان إلى برودة هواء الليل ـ ليل ثم ليل .. شتاء آخر يرحل ـ تنفرج شفتيه ببسمة رضيه ويعاود التحديق في ظلام الليل إلى أبعاد غير واضحة لأشباح قصور عالية ومن خلفها أصوات مركبات تخرق صمت الليل في مرورها المستمر فوق الشارع العصري فترسم بلغطها الدائب خطا مستقيما يوازي صمت القصور العالية . يغادر النافذة ملتقطا سيجارة من فوق المكتب العاري ، يعود إلى حيث كان فتنطبق الخطوط الحمر على قضبان النافذة ينفث غيمه صغيرة من الدخان فتضيئها خيوطا من النور كسيرة وتتلاشى . يسمع صدى لصوت قديم يأمره بأن ينام ، يحاول أن يستعيد صورة قريبة إلى نفسه وشفتان غليظتان تبسملان من أجله بالدعاء ومسـبحة تتسـاقط حباتها كدقات ساعة . يشد على قضبان النافذة بقبضته ويحس الوحشة تتكاثف من حوله وتقهره فتغلق دونه منافذ ذاكرة مثقلة بحيوات الأهل الذين رحلوا إثر مرض لا يذكره إلا حين يدور ليلا في غرف البيت الخاوية معبئا أنفاسه بتلك الرائحة العتيقة العطنة الثابتة ومستشعرا بأنه يقوم بطقوسه اليومية تلك قبل النوم كواجب ثقيل ممتنع عن الفهم .. ثمة انتظار ما يلوح من هاتين العينين الذاهلتين يوسع مداهما ويمنع العبرة من التكور والانسلال إلى القضيب المعدني البارد ـ لو أنها لم تمت قبل موتكم يا أبي لأحرزت أولى انتصاراتي ـ

وثمة إحساس معذب بتراكمات من الأيام والشهور والسنين في حدقة هاتين العينين يصعب معها التمكن من الولوج في مدى الليالي التي تمر بأبعاد واضحة وغير متصالبة فيبدو كأن ثمة غشاء قد أسدل فوق إلتماعة العينين ويوحي في عمقها المترامي بأن الأفكار تلبس غير ألوانها ويتمثل له ذنبه في أنه ينسى العالم كله ولا يتذكر سوى أهله في الحين الذي يعوزه اليقين في أنه حقا يتذكر ، ما دامت كل الأفكار التي تربط بين الأهل والحبيبة هي وحدها التي تطوف بذاكرته وتراوغه بتقلبها إذ تطفو صور الأهل الذين يحبهم فوق سطح مريب يذكره بأرض الرمال الناعمة ويعاود في هذه اللعبة وهو مدرك بأن ثمة علاقة ما بين هذا الغشاء الذي يظلل عينيه وبين الانتظار الموارب خلف تذكر الأهل يخفي رؤيا حادة يبعدها عقله الباطن بنفور: كما الكفر في ليلة مباركة . غير أن ضحكة ترن في صدى الليل فتقوض تلك الرسمة التي يقف بها وحالة انتقاء الوعي في الذاكرة، فتهزم كل وقار الرؤى المرتـقات إلى الأهل الأحبة الراقدون خلف سياج المقبرة ـ أنها اللحظة التي يموت فيها شيطان عجوز ويصحو شيطان لا أذكره ـ تهب نسمة هواء باردة فيطردها بنفثة دخان ويعود إلى التماعة شفتين أوقدتا فيه لظى رغبات أباحها لنفسه في الخفاء وفي ظل أب كان يكف عن موعظته حين يراه راكعا يصلي إلى شفتين في العلا تضيئان هالة تشبه التماعة عينيها ، يغرق في التبحر ماخرا لجا شطآن تلمع في مويجاتها ظلال لعروسه الخاطرة أبدا فوق رمال ذهبية وبلا نهاية ـ الأولى أحببتها والثانية ضاجعتها ولا أدري أيهما التي تلاشت ـ يمتزج بعريها ويسافر في المدى الأزرق تسبح شفتاه بكلمات غامضة ويلهج الأب بالدعاء له وهي تمرر حلمتها فوق شفتيه فيغيب الصوت اللاهج ويرن في أصداء ذاكرته القصية بكاء رفيع وعتيق لطفل يلامس رأسه قاعا لدنا وتصاحب بكاءه ضحكات ظفر وتهان تتناثر من شفاه قريباته اللواتي يحطن بأمه ينتبه لشفتيه تلثمان قضبان النافذة ويدير بصره في أرجاء حديقته السوداء . ويلمح شبحا لوردة صغيرة قرب السياج فيغلق النافذة .

ليست هناك تعليقات: