الأحد، 23 مايو، 2010

تجليات الرفض بين رؤيتين شعريتين

مقصورتا المتنبي والجواهري أنموذجاً

د. نادية غازي العزاوي



لا تنطلق هذه الدراسة من فرضية وجود قصدية ما، محاكاةً أو معارضةً، بين مقصورتي الجواهري والمتنبي، فهي إذ لا تنفي التأثر فإنما أيضاً لا تحتّمه ولا تنظر اليه من زاوية ضيّقة أو سطحية أو مباشرة (الوزن والقافية المشتركان وبعض التضمينات المبثوثة في تضاعيف المقصورة) ولكنها ترمي الى رصد مسار العناصر والمضامين المشتركة بينهما اتفاقاً وانحرافاً في قراءة تحليلية موازنة تضع في اعتبارها ثقل الموروث في تكوين الجواهري الإنساني والثقافي، بحكم ظروف نشأته الأولى في الأقل:

"أبي... أصرَّ على أن يصحبني معه كل ليلة الى مجالس الأدب والعلم في النجف، أن يجبرني على الاستماع في الليالي الى أشعار المتنبي وزهير، وكنت أسأم أحياناً وأنام. أُجبِرتُ على حفظ نهج البلاغة وأمالي السيّد المرتضى والقالي والبيان والتبيين للجاحظ وأدب الكاتب لابن قتيبة وأنا في الثامنة من عمري، مصيبتي حافظتي وتأتي عندي بعد مصيبة الذاكرة"[1]

ثم تطور الأمر الى وعي بخطورة وحساسية العلاقة بين الشاعر العربي وتراثه حتى يذهب الى القول:

"إن أديبا لم يحفظ البحتري وأبا نواس وابن الرومي والمعرّي وأبا تمّام والمتنبّي، أو لم يدرس الجاحظ والأخطل وابن قتيبة وابن الأثير وأبا الفرج ودعبلاً والقرآن ونهج البلاغة لا يمكن أن يكون شاعراً ولا كاتباً أبداً.. وإن قرأ مليون رواية وكتاب أجنبي وإن درس خمسين عاماً أساليب الشعر والأدب العربي وإن استوعب كل النظريات وكل المبادئ والعقائد وإن ألمَّ بثقافات العالم وإن تعاطى كثيراً من لغتها وإن مارس الحياة وتمرَّس بها واحترق بتجاربها.. ولكن أن يكون الكاتب له بعض الشيء من هذا، وهو قد قام على ذلك الأساس العربي الراسخ فأمر عظيم وعقبى ذات شأن وعبقرية مضمونة"[2]

كما تضع الدراسة في حسبانها أيضاً أثر شعر المتنبي خاصة في تأسيس شاعريته وإثارة تصوراته النقدية عن "السر الدفين الذي انتهت اليه ووقفت عنده كل تمخضات الفكر الإنساني.. أهي قدرة هذا العملاق الإنسان على هضم ما وصل اليه من كل ذلك واستيعابه إياه ثم قدرته على أن ينسجم معها أولاً ثم مع نفسه فيها.. أيكون السر هو ما يراه الكثيرون من أن المتنبي العظيم كان صاحب قضية فنية.. وثاني الشقين في تساؤلي هذا والذي جهدت كثيراً فلم أجد من الباحثين من يجيبني عنه هو خذا العقد الذهني والاجتماعي الذي تعاقد عليه أبو الطيب مع الزمن: ماضية وحاضره الذي عاشه ثم مستقبله الدائم.. في هذا التأثير الحاد والبليغ لهذه العبقرية الفذة عبر حروفه وكلماته ومجمل قصائده في نفوسنا ومدى نفاذه من خلالها الى كل ما يتصل بواقعنا الفكري والاجتماعي والسياسي والمعاشي، وأكثر من ذلك فالى كل دخائل النفس البشرية عامة والنفس العربية خاصة"[3]

ولكن الدراسة تدرك من جانب آخر خصوصية تجربة الجواهري وغنى روافده الأخرى ثقافيا وسياسيا واجتماعيا والتصاقها الحميم بالواقع واحتضانها للمفاهيم الثورية عن دور الشعر في النهوض بالحياة والالتزام بقضايا الأمة، مما جعل معادلة (التراث والمعاصرة) قائمة بتوازن عجيب في شعره: "وليس التعبير عم حساسية عصر جديد بقيم شعرية موروثة مبدأ ندعو له ولا قانوناً يصدق على كل شاعر لكنه امتياز ينفرد به الجواهري.. شعر الجدّة في قلب الموروث، المفاجأة في إطار المتوقَّع.. فشأنه شأن المتنبي يمثل الأصالة داخل تقاليد سائدة يطوعها لأغراضه فلا تعود قيداً أو سوراً يحجب أضواء الفكر الجديد. ولقد حرص الجواهري على أن تتكافأ في شعره الجدة والعراقة، فكان إقباله على شعر الفحول القدامى إقبال من يقرأ الديوان فيسيل فيه دما وفكراً وروحاً"[4]

ولا يخطئ المتأمل لمحة جامعة أخرى بينهما في تعاملهما الحذر مع خفايا اللعبة السياسية ودهاليز السلطة التي نجحت في إيقاع الشاعر العربي في أحابيلها على مر تاريخنا، فكانت الكثير من الأسماء الكبيرة تتهاوى انقياداً أو رضوخاً قسريا لها، ولكنهما تمردا على هذا المصير مع أنهما خاضا لجج السياسة –كل ضمن مفهوم عصره- وتبنيا مواقفها وأرخا في أشعارهما جوانب مهمة من وقائعها وخالطا أبرز شخصياتها، ولكن ذلك كان يتم من منطلقات حماسية وعاطفية (مع أو ضد) بعيدة عن الحزبية أو ما يقوم مقامها من الانتماءات، وبمنطلقات آنية أحيانا تفرضها ظروف معينة ترشّح نوعاً من حسن الظن بالآخر. أما إذا قادت مجريات الإحداث الى نهايات مخيبة لتلك الظنون فإنهما يسارعان الى حسم المواقف بمبدئية والرحيل بعيداً نحو عذابات الغربة منتصرين لحرية الفكر واستقلالية القرار وشرف الشعر الذي لا يتنكر لتاريخه بما فيه من أخطاء أو عثرات ولكنه يرفض رفضاً مطلقاً التبعية أو القسرية أو التزييف.




وفي سيرة الشاعرين الكثير مما يؤكد هذا النزوع المستقل المشترك بينهما: فإعجاب الممدوحين بشعر المتنبي كان يصاحبه خوف شديد من عنف طموحاته وانفلاته من قيودهم" "ذكروا أن أبا الطيب المتنبي لما ودع أبا الفضل بن العميد ورد كتاب عضد الدولة يستدعيه، فعرّفه ابن العميد فقال المتنبي: مالي وللديلم؟ فقال أبو الفضل بن العميد: عضد الدولة أفضل مني ويصلك بأضعاف ما وصلتك به، فأجاب: بأني ملقى من هؤلاء الملوك أقصد الواحد بعد الأخر، وأملّكهم شيئاً يبقى ببقاء النيّرين ويعطونني عرضاً فانياً ولي ضجرات واختيارات فيعوقونني عن مرادي فأحتاج الى مفارقتهم على أقبح الوجوه. فكاتب ابن العميد عضد الدولة بهذا الحديث فورد الجواب بأنه مملّك مراده في المقام والظعن. فسار المتنبي من أرجان فلما كان على أربعة فراسخ من شيراز استقبله عضد الدولة بأبي عمر الصباغ.. فلما تلاقيا وتسايرا استنشده فقال المتنبي: الناس يتناشدون فاسمعه فأخبر أبو عمر أنه رُسم له ذلك عن المجلس العالي، فبدأ بقصيدته التي فارق مصر بها:

ألا كل ماشية الخيزلى فدا كل ماشية الهيدَبى

ثم دخل البلد فأُنزل داراً مفروشة ورجع أبو عمر الصباغ الى عضد الدولة فأخبره بما جرى وأنشده أبياتاً من كلمته هي:

فلمّا أنخنا ركزنا الرماح بين مكارمنا والعلى

وبتنا نقبل أسيافنا ونمسحها من دماء العِدى

لتعلمَ مصرٌ ومن بالعراقِ ومن بالعواصمِ أنّي الفتى

وأّني وفيتُ وأنّي أبَيتُ وأّني عتوتُ على من عتا

فقال عضد الدولة: هوناً يتهدّدنا المتنبي"[5]

وسُئل الجواهري في إحدى المقابلات معه:

هل أُجبرتَ على الرحيل؟ هل كنتَ ملاحَقاً؟ أكنتَ مهدَّداً بالسجن؟

-لم أُسجَن في حياتي إلا مرة واحدة ولمدة شهر فقط، الأمر الذي أثار ضجّة في البرلمان. لقد أُوقِفتُ شهراً واضطر الحاكم أن يحكم عليّ شهراً فقط، ومع ذلك فقد شتمتُ القضاء في قاعة المحكمة... لقد كانت لديّ حصانةٌ ما، كان الحكام يخافون الناس ويحسبون حساباً لتأثيري عليهم"[6]

1- مدخل الى القصيدتين:

المّ البديعي بالظرف الذي أحاط بولادة مقصورة المتنبي، فذكر:

"وانقطع أبو الطيب.. لا يلقى الأسود (كافوراً).. وعمل على الرحيل وقد أعدّ كل ما يحتاج اليه على مرّ الأيام بلطف ولا يعلم به أحد من غلمانه وهو يظهر الرغبة في المقام وطال عليه التحفظ فخرج ودفن الرماح في الرمل وحمل الماء على الإبل لعشر ليالٍ وتزود بعشرين.. وفي يوم العيد سار من مصر هارباً وأخفى طريقه فلم يؤخذ له أثر حتى قال بعض البادية: هبه سار فهل محا أثره؟ وقال بعض المصريين إنما عمل طريقاً تحت الأرض وتبعته البادية والحاضرة من سائر الجوانب وبذل كافور في طلبه ذخائر الرغائب وكتب الى عماله في سائر أعماله.. في طلبه.. وسار أبو الطيب حتى وصل الكوفة في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة ونظم المقصورة"[7]

وقدم محققو ديوان الجواهري أيضا بعض المعلومات المهمة عن هذه القصيدة "المقصورة من مختارات قصائد الشاعر وقد نظمها في أواسط عام 1947 ونشر قطعاً منها في أمهات الصحف العراقية.. ومن المؤسف أن يكون جزء كبير منها يزيد على مائة بيت قد أطارته الريح وألقته في دجلة في أثناء انشغال الشاعر بتنقيحه خلال صيف عام 1947 حيث كان يسكن داراً مطلة على النهر، وأن يكون جزء منها يؤلف حوالي 50 بيتاً منها قد فُقِدت جذوره الأساسية التي يعتمدها الشاعر ساعة تدوين خواطره فيما فقد من أوراقه الخاصة في أثناء انتقال جريدته الجهاد خلال عام 1952 وعلى هذا تكون مقصورة الجواهري مشتملة في الأصل على ما يقارب أربع مائة بيت من الشعر"[8]

والسؤال هنا: ماذا يستفيد الباحث من هذه البيانات عن ما حول القصيدة؟

الحق انها تقدم إضاءات مهمة لما في داخل القصيدتين من اختلافات كما سنرى لاحقاً.

أما مقصورة المتنبي فمن نمط قصائد التجربة الواحدة المشدودة كل تفاصيلها ومقاطعها عضويا ونفسياً وموضوعيا للتجربة المحورية، التجربة العصيبة التي تمخضت عنها دفعة واحدة.

بينما تتوزع مقصورة الجواهري على حالات متعددة وقد نظمت منجّمة على مراحل زمنية أو دفعات مما افقدها الوحدة المركزية الرابطة ووسمها بطابع التراكم مما أتاح للقصيدة أن تنشر بالرغم من ضياع نصفها تقريبا للملابسات المذكورة، فالمنشور من القصيدة (237) بيتاً بينما أصل القصيدة كما ذكر (400) بيت، بمعنى ان المفقود لم يخل بالبناء العام والكيان الكلي للقصيدة وهذه الخاصية لا يتوفر عليها في العادة إلا هذا النمط من القصائد ذات البنية التراكمية إذا صح التعبير.



2- المنطلقات:

انبثقت المقصورتان من لحظة انفعالية محتدمة في مواجهة مباشر استغرقت جو القصيدتين المشحون من البداية حتى النهاية وإن تفاوت باعث هذه المواجهة واتجاهها وتأثيرها بين القصيدتين. في مقصورة المتنبي انصبّت المواجهة على جبهة خارجية تحدى فيها الشاعر سلطة كافور الذي استدرجه وحاول تركيعه[9]، تحداه وحيداً كما ظل دائماً وحيداً في صراعه، فأزمة المتنبي هي أزمة الوعي الفردي اليقظ الثائر على مواضعات مجتمعه وعصره، مما يلقي الضوء على ظاهرتين متلازمتين في هذه القصيدة –وفي مجمل شعره- تقومان معاً مقام السبب والنتيجة أو الفعل ورد الفعل:

الأولى: إحساسه بجسامة المهمة الملقاة على عاتقه، وما يتهدده فيها من مخاطر صدق حدسه فيها، إذ انتهت به الى القتل لاحقاً كما هو معروف.

والثانية: صوته المتضخم الهادر المعبر عن نفسه بتنويعات ضمير المتكلم المختلفة في اللغة (أنا، تاء المتكلم، ياء المتكلم، نحن) وبالنعت الذي يقع في ذروة سلم القيم في شعره (الفتى) مقترنا بألف الاستغراق الدالة على كامل الفتوة، وقد نسبها هنا لنفسه بينما كان قد أطلقها من قبل على آخرين خيبوا ظنونه وأطاحوا بأحلامه، فقرر أحقيّته بها تأكيداً لهذه الفردية المتضخمة:

لتعلمَ مصر ومن بالعراق ومن بالعواصمِ أني الفتى

وأني وفيتُ وأني أبيتُ وأني عتوت على من عتا

وما كل من قال قولاً وفي ولا كل من سيمَ خسفاً أبى

وَمَن يَكُ قَلبٌ كَقَلبي لَهُ يَشُقُّ إِلى العِزِّ قَلبَ التَوى

وَلا بُدَّ لِلقَلبِ مِن آلَةٍ وَرَأيٍ يُصَدِّعُ صُمَّ الصَفا

وَكُلُّ طَريقٍ أَتاهُ الفَتى عَلى قَدَرِ الرِجلِ فيهِ الخُطى

بينما تحركت مقصورة الجواهري على جبهة أخرى في المواجهة، تجابه فيها الذات صراعا مزدوجاً: خارجياً ضد الآخر الذي ما زال يمارس دوره القمعي، وصراعاً ثانياً ضد تحديات داخلية من نوع آخر- كما سنفصل لاحقاً.

ولكن صوت الجواهري لا يظهر في خضم ذلك وحيداً، إنه وقد تبنى النزوع الثوري يتداخل بصوت الجموع التي يستلهم منها روح الشعر ولأجلها يناضل بالشعر أيضاً. وتقدم قصيدته تلوينات شعرية بارعة لهذا التضافر بل التعاضد بين الصوتين:

وتلتفُّ حولكَ شتى النفوس تجيشُ بشتّى ضروبِ الأسى

وتُعرِب عنها بما لا تبينُ كأنك من كل نفسٍ حشى

فأنتَ مع الصبحِ شدوُ الرّعاة وحلم العذارى إذا الليلُ جا

وأنت إذا الخطب ألقى الجِران وحطّ بكلكلهِ فارتمى

ألحتَ بشعركَ للبائسين بداجي الخطوبِ بريقَ المنى

تروح على مثلِ شوكِ القتاد وتغدو على مثلِ جمرِ الغضى

وتكوي الضلوعَ على نافذٍ من الصبرِ يُدمي كحزّ المُدى

إن القصيدتين تقدمان لنا ضربين من البطولة: البطولة التي تحركها منطلقات شخصية واستراتيجيات خاصة، والبطولة التي تتحرك على خلفية جماهيرية عريضة، وقد قيل للجواهري يوماً:

"-أنت جزء من تاريخ العراق الحديث..

-أنا في الصميم.

-ماذا ترك عندك الذي عايشته وعايشك؟

-... لقد ربطني بالناس ولم أستطع أن انفكّ عنهم.

-أتشعر بحاجتك لهم؟ .. ماذا يمنحوك؟

-خير ما عندي.. القدرة على النطق، على التعبير، وهذا ليس بقليل.

-أين أنت يا سارتر؟ الآخرون ليسوا بجحيم"[10]

وكان لا بد أن تترك هذه الرؤى بصماتها على لغة القصيدة فقد امتلكت ألفاظ الجمع حضوراً بارزاً في قصيدة الجواهري وبما يزيد على (225) لفظة منها:

(أنوف، كرام، القلوب، الدّنى، النفوس، الرعاة، العذارى، البائسون، الخطوب، المُنى، الضلوع، المُدى، الأخبثون، الخطى، ناس، قادة، الأرذلون، المغريات، قبّ الصدور، بيض الطُلى، قباح الوجوه، صبية، الصخور، النجوم..الخ)

بينما لا تزيد قصيدة المتنبي على (34) لفظة منها:

(حبال، العداة، الجياد، بيض السيوف، سمر القنا، العالمين، مستقبلات، الرماح، المكارم، المضحكات، الرقى، قوم، أصنام...الخ) .

مع ملاحظة استبعادنا لبعض ألفاظ الجمع في هذه المقصورة لأنها وردت مواضع أسماء هنا وليست جموعاً حقيقية :

(النخل، وادي المياه، وادي القرى، الكفاف، الوهاد، الأضارع، وادي الغضا، العواصم(موقع قرب إنطاكية)

3- دلالات الرحلة (المكان+الزمان)

في مقصورة المتنبي حضور واضح للمكان ،شغل خمسة عشر بيتاً من أصل القصيدة البالغ في إحدى الروايات خمسة وثلاثين (35) بيتا[11]،أي بما يقرب من نصف القصيدة (42%)، وبتتبع جغرافي دقيق لمواقع حقيقية مرّ بها في هروبه من مصر حتى وصوله الكوفة[12]:

(بجاوة، التيه[13]،النخل، النقاب، وادي المياه، وادي القرى، العراق، تريان، حسمى، الكفاف، الوهاد، جار البويرة، وادي الغضى، بسيطة، عقدة الجوف، ماء الجواري، صور، الشغور، الجميعي، الأضارع، الدنا، أعكش، الرهيمة، مصر، العواصم).

أما في مقصورة الجواهري فثمة حضور واحتفاء خاص بأمكنة الوطن (العراق) في رحلة داخلية تستعرض تفصيلاته ويشوق كشف عن بعض أسبابه في قوله:

سلامٌ على بــلدٍ صنتُه وإياي مـن جفوةٍ أو قِلى

كلانا يكابــدُ مرّ الفراقِ على كَبـدينا ولذعَ النوى

وكلّ يغذُّ إلــــى طيّة لنا عند غايــاتها ملتقى

وذا كان الوصف المكاني في قصيدة المتنبي إجماليا مختزل القسمات مجردا من المحمول العاطفي وربما عزونا الأمر إلى الظرف الموضوعي الذي مر به الشاعر فشغله التوتر والتوجس عما حوله على نحو ما صرح في قوله :

فمرّت بنخلٍ وفي ركبها عن العالمينَ وعنه غنى

ولعل الإشارة الوحيدة المنفلتة من هذه الحيادية في التعامل مع المكان ما جاء في البيتين الأخيرين من المقطع وقد اشتملا على صورة خاطفة لمكان أطبقت عليه عتمة الليل كليّة فعمّت على ما فيه من معالم، وهي صورة متّسقة نفسياً مع حالة الشاعر في تلك اللحظة:

فيا لك ليلاً على أعكش احمّ البلاد خفيّ الصّوى

وردنا الرّهيمة في جوزه

وباقية أكثر مما مضى

لقد ظلّ المكان في هذه القصيدة –وفي قصائد أخرى له[14]- وسيلة لم تفجر جوا عاطفيا إيجابيا متفتحا داخل القصيدة،بالرغم من انه سُئل بعد القصيدة عن أحد المواضع التي جرى ذكره فيها (حسمى)فأجاب:

(لو رأيت جسمى لرأيت أطيب بلاد الله)[15] ،ولكن هذا التعاطف غير موجود فعليا داخل القصيدة ، أقول :إذا كان المكان في مقصورة المتنبي كما تقدم ،فإنه حقق حضورا أكثر زخما وامتلاءً من مقصورة الجواهري في أداء نفسي هادئ ومسترخٍ عبّرت عنه بوضوح اللازمة الاستهلالية المتكررة في المقطع (سلام) التي خففت من الإيقاع الانفعالي المتصاعد في أول القصيدة ،الأمر الذي يجعلنا في الحقيقة نميز في مقصورة الجواهري حركتين مختلفتين موضوعيا ونفسياً:

الأولى:الحركة المحتدمة في القسم الأول من القصيدة المتمثل في مقطع المواجهة كما تقدم.

الثانية: الحركة المنسابة في المقطع الوصفي في القسم الثاني إذ تفيض النفس بمكنوناتها على مشاهد الطبيعة الأخاذة من حولها :

سلامٌ على هضبات العراق

وشطّيهِ والجرفِ والمنحنى

على النخل ذي السعفات الطوال

على سيــــد الشجر المقتنى

ودجلة تمشي علــــى هونها

وتمشي رخـــاء عليها الصبا

سلامٌ علـــــى قمر فوقها

عليها هفــــــا واليها رنا

تدغــــدغُ أضواؤه صدرها

وتمسح طيـــــّـاتها والثنى

سلامٌ علــــى جاعلات النقيق

على الشاطئين بريــــد الهوى

سلامٌ علـــى عاطرات الحقول

تناثر من حولهنّ القـــــرى

وبمتابعة تصويرية لا تكتفي برصد لقطة واحدة للموصوف،لكنها تقدم صوراً أخرى له من زوايا مختلفة وهو ما يفسر توازن بعض الجمل من الأبيات وبتشكيلات ثنائية مماثلة أو تضاداً :(إذ يتجلى /إذ يجتنى) (ثوباً تهرّى/ ثوباً نضا) ( أدنى/أدلى)...الخ،زد على ذلك أفعال التصويت الموظفة ضمن لقطات ترصد دبيب الحياة المستتر خلف سكون وبمضاعفة الصوت مرة بعد أخرى ،فالحمام يجدّ هديله، والكلب يرجّع عواءه، والديك يؤذّن، والبوم يزقو، والسحيل يثغو، والقطار يدوّي، ونقيق الضفادع مازال كالرسائل المتبادلة بين العاشقات ...الخ.

ومما كان له أثر أيضا في تدفق حركة الوصف في هذا القسم عطف الجُمل على بعضها والتتابع الملحوظ للأفعال المضارعة وبما يجسد استمرار هذه التجربة في وجدان الشاعر:

(يُجتنى،ترفّ،تبرى،تمسي،تخوّض،تريك، يسرف، تدغدغ، تمسح، تجتلي، تغور، يتيح، يعتدي،لا تشتكي، تنقل، تظافر، تندس، يؤذن، يسبح، تلوذ،تصور،...الخ)

بينما تسيّدت الأفعال الماضية أبيات الرحلة في قصيدة المتنبي ضمن نسق إخباري استذكاري لتجربة وقعت وانتهت في وعي الشاعر ،وهكذا نقرأ:

(ضربت، فزعت، مرت، أمت، قلنا، قالت، هيّت، جابت، شَفَت، لاح، مسّى، غادي، وردنا، أنخنا، ركزنا، بتنا).

من جانب آخر تنتظم مقصورة المتنبي وهي تسرد وقائع تجربة محورية داخل إطار زمني عام يتوزع على عدد من المسارات الداخلية كما يلي:

1-الحركة الافتتاحية في الأبيات الثلاثة الأُول المنفتحة على (الحاضر) بعد أن نجا الشاعر من المغامرة، وستبدأ منه العودة إلى الوراء (الماضي) لاسترجاع ما حدث.

2- فتبدأ الحركة الثانية التي تلاحق الوقائع بدقة عالية في التحديد المكاني –كما تقدم-والتحديد الزماني أيضا، وهو ما يفسر هيمنة الأفعال الماضية التي تتوزع بدورها على تحديدات زمنية فرعية أخرى داخل هذا النسق الماضوي:

إذا فَزِعَت قَدَّمَتها الجِيادُ

وَبيضُ السُيوفِ وَسُمرُ القَنا

فَمَرَّت بِنَخلٍ وَفي رَكبِها

عَنِ العالَمينَ وَعَنهُ غِنى

وَأَمسَت تُخَيِّرُنا بِالنِقابِ

وادي المِياهِ وَوادي القُرى

وَقُلنا لَها أَينَ أَرضُ العِراقِ

فَقالَت وَنَحنُ بِتُربان:َ ها

وَهَبَّت بِحِسمى هُبوبَ الدَبورِ

مُستَقبِلاتٍ مَهَبَّ الصَبا

رَوامي الكِفافِ وَكِبدِ الوِهادِ

وَجارِ البُوَيرَةِ وادِ الغَضى

وَجابَت بُسَيطَةَ جَوبَ الرِداءِ

بَينَ النَعامِ وَبَينَ المَها

إِلى عُقدَةِ الجَوفِ حَتّى شَفَت

بِماءِ الجُراوِيِّ بَعضَ الصَدى

وَلاحَ لَها صَوَرٌ وَالصَباحَ

وَلاحَ الشَغورُ لَها وَالضُحى

وَمَسّى الجُمَيعِيَّ دِئداؤُها

وَغادى الأَضارِعَ ثُمَّ الدَنا

فَيا لَكَ لَيلاً عَلى أَعكُشٍ

أَحَمَّ البِلادِ خَفِيَّ الصُوى

وَرَدنا الرُهَيمَةَ في جَوزِهِ

وَباقيهِ أَكثَرُ مِمّا مَضى

حتى الحرف (ها) الذي ورد في قوله:

وَقُلنا لَها أَينَ أَرضُ العِراقِ فَقالَت وَنَحنُ بِتُربان:َ ها

فبالرغم من تركيز الشرّاح على دلالته المكانية فإننا لا نخطئ الدلالة الزمانية المتضّمنة فيه أيضا التي تؤذن بقرب الوصول ،قال ابن جني :(وها حرف إشارة وأراد ها هي ذي ولكنه حذف الجملة وترك الحرف الذي من عادته ان يكون في صدرها)[16]، وزاد ابن المستوفي:(تقرّب ذلك علينا لثقتها بسرعتها)[17]

3-ثم يحدث توقف وقطع في الاسترجاع في مقطع الفخر ، في انعطافة جديدة إلى (الحاضر) بعد أن اجتاز الشاعر المهمة بنجاح، وكان من المتوقع أن تنتهي القصيدة عند هذا الحد لولا أوجاع ما زالت تحزّ في نفس الشاعر وتلح عليه لاستذكارها .

4-وهكذا تستأنف القصيدة من جديد حركة استرجاع الماضي ليس لرحلة الهرب بل لفصول معاناته وأحزانه في مصر.

5-ثم تنفتح القصيدة في خاتمتها الحكمية على أفق مترامٍ زماناً ومكاناً.

لقد بدأت المعالجة الزمنية في مقصورة المتنبي من (الحاضر) ثم انعطفت إلى (الماضي) لتعانق في النهاية (المستقبل).

أما مقصورة الجواهري فلم تتوفر على حركة زمنية منتظمة أو متنامية، وإن كانت لا تعدم إشارات بل شذرات زمنية متفرقة هنا أو هناك داخل القصيدة، ولذلك يمكنك تقديم الأبيات أو تأخيرها غالباً من دون أن يضر ذلك ببنية القصيدة مما انعكس على بنيتها الزمنية أيضاً التي لم ينتظمها تراتب ما على مستوى القصيدة ككل وإنما انحصر الأمر داخل بعض الأبيات المتفرقة:

(تروح/تغدو)،(الصباح/الليل)(مضى/سيمضي)(أتى /سيأتي)(النهايات/البدى)...الخ، ومن اللافت للنظر حقاً أن القصيدة لا تنفتح بالزمن على امتدادات رحبة مترامية الأطراف إلا في موضعين بمثابة امتياز ينفردان به، وبإشارة خفية مكتنزة:

الأول: في ديمومة دورة الحياة في الطبيعة، وهذا معروف.

ثانيا: في ديمومة دورة شعره في هذه الحياة حياً خالداً في ضمير الإنسانية:

واشهد انــــك مذخورة

لأبعد ما في المدى من مدى

وأنكِ سوف تدوّي العصور

بما تتركين بها من صدى

4- وجوه أخرى:

الخ. انتباه الدارس للقصيدتين النزعة الهجائية اللاذعة والساخرة التي كانت عاملاً آخر أسهم في شحن جو القصيدتين، إذ تلتبس القيم بأضدادها في مقصورة المتنبي وتحرّف المعاني إلى غير وجهها، مما يصعّد من أبعاد المفارقة والفجيعة معاً فيها، وخاصة حين تتبادل الشخصيات والقيم أدوارها تبادلاً ينذر بانهيار كامل المقاييس والثوابت:فيغدو الضحك كالبكاء، وقبح الكركدن كرهافة القمر، والمستيقظ كالنائم للغفلة، والخويدم[18] هو السيد، والعقول في الخصى وليس في الرؤوس، والشِعر كالرقى، والمدح كالذمّ، والحقيقة كالوهم ....الخ .

ونام الخويدم عن ليلنا

وقد نام قبلُ عمىً لا كرى

وكان على قربِنا بيننا

مهامهُ من جهلهِ والعمى


[1] مجلة الآداب، العدد الثاني عشر، بيروت، 1987، ص6.

[2] نقلاً عن: لغة الشعر بين جيلين، د. إبراهيم السامرائي، ص 121.

[3] المتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس (وقائع مهرجان المتنبي الذي أقامته وزارة الثقافة والفنون العراقية في بغداد 1977، ص 27 و 28.

[4] مرايا جديدة، عبد الجبار عباس، ص 19 و 20.

[5] النظام في شرح المتنبي وأبي تمّام، ابن المستوفي, 1/46 ، 47.

[6] مجلة الآداب، العدد السابق، أجرى الحوار معه حميدة نعنع: ص7.

[7] الصبح المنبي عن حيثية المتنبي، يوسف البديعي، ص 124-127.

[8] ديوان الجواهري، جمعه وحققه د. إبراهيم السامرائي وآخرون، ج3، ص 201.

[9] ينظر: الفسر، أبو الفتح عثمان بن جني: 1/120، 121. فقد ذكر ابن جني "وكنت بمصر وبها أبو الطيب.. فوقفت من أمره على شفا الهلاك، ودعتني نفسي لحب أهل الأدب الى استحثاثه على الخروج فخشيت على نفسي إن نمي ذلك عني وكان هو مستعداً للهرب وإنما بات بأظافير الموت من قرب"

[10] مجلة الآداب، العدد السابق: ص6.

[11]تنظر القصيدة في :شرح الفسر:1/121/138

[12]جاء في كلام أحد محققي كتاب (الصبح المنبي) :هامش(1)ص128:(المتنبي في فراره من مصر لم يقصد إلى الكوفة مباشرة بل عرج على الحجاز وسار فيه إلي أن قارب مدينة الرسول ولكنه لم يدخلها وما زال يتنقل في مضارب الأعراب مدة لا تقل عن أربعة أشهر حتى إذا أحسّ أن عيون كافور وأرصاده قد انصرفت عن تتبعه خرج إلى الشام ثم إلى الكوفة)

[13]فسر ابن جني لفظة(التيه)على إنها :(الأرض التي يضاع فيها ليعدها) وقد عقّب الوحيد الأزديّ على هذا التفسير بالقول (التيه هنا يعني به تيه بني إسرائيل فإنه ركبه للسماوة وتولى منها إلي العراق ،التيه اسم لهذه الأرض تعرف به) (الفسر:1/125-126)

[14]حدثت فيما بعد انعطافة مهمة في احتفائه بالمكان وفي طريقة توضيفه له في شعره وعلى نحو ما ستتجلى في نونيته المشهورة ذات المقدمة المكانية الوصفية الطويلة نسبياً:

مغاني الشعب طيبا في المغاني

بمنزلة الربيع من الزمان

ولكن الفتى العربي فيها

غريب الوجه واليد واللسان

يقول شعب بوّان حصاني

أعن هذا يصار الى الطعان

أبوكم آدم سنّ المعاصي

وعلّمكم مفارقة الجنان

[15]النظام :1/458

[16]الفسر 1/130

[17]النظام 1/457

[18]للمعري تعليق طريف على لفظة الخويدم هنا: ( جرت العادة بأن يسموا الخصي خادما وذلك شيء مصطلح عليه وكل من خدم لهو مستحق لهذا الاسم من فحل وخصي ولكنهم لما رأوا الخصي ناقصا عن رتبة الفحل قصروه على هذا الاسم لأنه لا يصلح لغير الخدمة)(النظام 1/469)

ليست هناك تعليقات: