الأحد، 16 مايو، 2010

عمران الغانم - أحزان - قصة قصيرة



أحزان

عمران الغانم




{ إتفقنا على ألا نبكي أمام السجان كي لا يكتشف سر النهر الذي يروي أرضنا }

كان مساءً جميلا رغم الظلمة والسكون والصمت القاتل. أعلنت فيه تحرري من السلاسل والقيود الصدئة، أمام ذلك الجسد المكتنز أقسمت بالإخلاص والحب أن أكتب عن الذين يحملون جراحاتهم . يوم أهدتني كتابا أهدتني عذاباتها الممزوجة بالأنين المحبوس داخل تنهداتها المطلسمة ، حينها كنت أود أن أقول لها أن الدموع وحدها لا تكفي حينما تتفجر الآهات ويبقى ما في القلب من خشوع. صمتّ لأنني أعرف أنها تبكي بلا دموع، تخشى أن يشاركها أحد في أحزانها ، تجعل من دموعها اللامرئية بلورات حارقة تذيب شبابها ، تضحك وتظهر السعادة والانشراح أمام الناس والبراكين النازفة تحرق كل مسامة في جسدها .

الكتاب بين يدي وأنا أسير في المدينة المظلمة . أحس بقلبي يقرأ نبضات الحروف . رحت أعدو بخطوات سريعة . وعلى ضوء الفانوس المنكسر رحت أقلب صفحات الكتاب ؛ ثمة خطوط سود تحت الكلمات التي لها طعم الغربة والسفر الى عالم بعيد أجهله.. تراءى لي أنها تبحث عن صديق رحلتها .. رحلة الحب والعذاب .. عن زوجها المسافر في اللامكان . صار كل خط سوطاً يضربني ويبعث في داخلي الهواجس والأحلام . قلت في سري بامتعاض :

" لن أقرأ لهذه المرأة التي ترتدي ثياب غادة السمان "

ورحت أقفز كطير منكسر أبحث في اللاشيء سوى الخطوط السود التي رسمتها بمرارة ..

يوم آخر..

وليل آخر..

وكتاب آخر… وخطوط سود أشد ظلمة وأشد مرارة . إنها امرأة يُعتَصَر قلبها خلف قضبان الزمن القاسي ، تخفي وجهها عن العيون المتلصصة في النهار . وفي المساء ، حين يسدل الليل الشاحب ستارة تفيض بالأسى ، وتصعد أنفاسها المحمومة في الفضاء ، ولاتكف العيون عن الدوران … تحترق وتذوب أمامهم كشمعة رغم ربيع عمرها الذي لم ينته بعد . تغفو الشمس وتتباطأ عند المغيب ولا تود الرحيل .. تريد أن تمنحها يوما طويلا بالتأمل ، فرصة للبحث عن رجل يزيح من على صدرها الأشواك . إنها تسمع همسا خفيا دائما :

" لا تمزقي ثوب الأمل ، لا بد أن يكون المسافر هناك ، خلف شجرة الصنوبر ، مع طائر النورس الحزين "

**** *****

أيقظني ظهورك سيدتي رغم شتائي الطويل الممتد عبر الأزمنة المسمومة . لا أعرف كيف أورثتني الحياة فرصة للتمرد والعصيان . يداك الناعمتان كانتا أقوى من كل القيود والسلاسل وهي تكسر جدار صمتي وخوفي ، وتكشف عن فوهة بركاني . إمنحيني الثورة والانفجار سيدتي . كبت السنين الماضية مزق أحشائي . تنهداتك هي محطتي الأخيرة ، هي مرفئي الأخير . ثلاثين عاما لم يمر أحد في بحر أحزانك ، وأمواجك تصرخ منذ أن سافر بلا وداع.

**** ****

مزقي كل تذاكر السفر وابقي معي . ستسمعين صوتي يتدفق كنهر منساب من أعلى قمة مسكونة بالحب والعذاب . أحزاننا هي سعادتنا المشتركة في عالم مريض بالهوس والجنون ، كلانا صار ينتظر الآخر لنزرع بذرة الصمت معا ، نسقيها بآهاتنا لتكون زهرة احتجاج …

ليست هناك تعليقات: