الاثنين، 31 مايو، 2010





قصص قصيرة جداً

حسين التميمي






تأبط وهما

أثنى مرفقيه وظل ساكنا متقوسا ما بين الوقوف والقرفصة ، فاغر الفم معوج الرقبة ، في انكسار مذل بثياب مهلهلة ، عيناه الوديعتان تتسقطان بإطراقة متسول ، حركات الشفاه لأولئك الأدباء المتحلقين حول الطاولة ، وحواسه تلتقط صورة احتدام النقاش فتنعكس على شكل تهدلات بلهاء في شفتيه المرتخيتين واللعاب يسيل منهما على جانبي فمه بصورة مقرفة فلا يعمد إلى إزالته ، بل يظل ساكنا في وضعه المؤلم ما بين الوقوف والقرفصة ، في انتظار دائم لشيء ما .

من أقصى المقهى صاح أحدهم .

ـــ ارموا له بعظمة كي ينصرف .

لم ينتبه إليه الأدباء الجالسون في صدر المقهى ، لكن الحزن أصابني حال سماعي لتلك الملاحظة الساخرة ، فقد كنت يوما ما أعرف هذا المثني المرفق / يوم كان يصول ويجول في المحافل الأدبية بحثا عن الشهرة ، ثم يخبرني حين يلقاني في شارع أو مقهى ، انه قد اصبح شخصا مهما ذائع الصيت ، فمرة يزعم انه قد صار شاعرا فطحلا يفوق المتنبي والمعري والجواهري ، ثم يمد يده باحتفال مهيب وصدر منتفخ ليريني قصاصة ورق اقتطعها من جريدة ، فأقرأها من اليمين إلي اليسار ومن اليسار إلى اليمين دون أن اصل إلى فك طلاسمها ، عندها يعمد هو إلى انتشالي من عار قصوري عن الفهم ، بتواضع زاعما إن هذه القصيدة قد كلفته عاما ونصف من الكتابة ، وانه قد اختزل فيها خلاصة تجاربه السريالية والبنيوية والتفكيكية ، ومرة يريني قصة زاعما أنها فتح جديد يضع كل من موباسان وأدغار الن بو ومحمد خضير في متحف التاريخ الطبيعي ، ومرة يخبرني بأنه قد اصبح ناقدا لاذعا يخشاه الجميع لسطوته التي اكتسحت كل التجارب والخبرات ، مستعينا بذكائه الألمعي في سرقة كل ما ليس له بشراهة منقطعة النظير ، فحينا يخبرني أحدهم بـأنه يقوم بسرقة القصائد وقراءتها لكتاب القصة أو الرواية وآخر بأنه يقوم بسرقة القصص وقراءتها لبعض الشعراء ، وآخر عن سرقة لا أعرف ماذا وقراءتها للا أعرف من ، في خلطة غريبة عجيبة تبعث على الشعور بالغثيان ، ومرة إلتقيته يرتدي بزة أنيقة على غير عادته فادعى انه على موعد غرامي مع امرأة اعرفها تكتب القصة ، وحين كاشفته باستغرابي للأمر ، وان هذه الأديبة ذات سمعة طيبة ، انتفخ كالطاووس وراح يختال أمامي بزهو وهو يؤكد لي انه على علاقة بأغلب حسناوات الوسط الأدبي ، وأن هذه العلاقات لا حدود لها ، وكان من الممكن أن تستمر أكاذيبه وخداعه للآخرين لولا انه وصل إلى مرحلة بدا فيها مصدقا لكل الأكاذيب التي اختلقها ، فصار لا يرضى لأحد أن يناديه سوى بالأستاذ الأديب الشاعر القاص الروائي الفذ ،وقد جاراه البعض في إسماعه هذه الألقاب سخرية أو إشفاقا ، ليقينهم انه يشكوا من أمراض نفسية شتى ، لكن المصيبة انه عدها شهادة من أدباء عالميين ويجب أن تؤخذ بالحسبان ، متناسيا انه كان من قبل يشكك في إبداع أولئك العالميين ويتهمهم بالسرقة ، وبالتالي فقد اصبح كل الذين ينفون عنه هذه الألقاب أعداء حقيقيين وينبغي التصدي لهم والقضاء عليهم ، فبدأ ينفث سمومه في كل المحافل والمجالس مشوها سمعة أعداءه المفترضين بأقذع الألفاظ وأشنع التهم مبدعا في ذلك أيما إبداع حتى أن خياله الذي كان عاقرا في إنتاج الأدب صار ثرا في الذم والوضاعة ، وإذ تحمله البعض ترفعا عنه ، لم يطق البعض الآخر تماديه فنصحوه أولا بكف لسانه عنهم فلم يرضخ ، وإنما تفاقم لديه الغرور متصورا انهم صاروا بالفعل يخشونه ويحسبون لـه ألف حساب ، وأن هذه المعارك ستوفر لـه الشهرة متذرعا بأن الغاية تبرر الوسيلة ، لذا قرروا أن يوقعوه في شر أعماله ، فمنهم من بدأ يفتش عن سرقاته الأدبية ، ومنهم من بدأ يفتش في ماضيه الحافل بالنقائص ، حتى إذا ما اجتمعت لديهم الأدلة والقرائن التي فاقت التوقعات ، عمدوا إلى استدراجه إلى أحد المحافل الأدبية ، متذرعين أن ثمة جائزة أدبية ستمنح لأديب شامل متكامل وأن أسمه في أول قائمة المرشحين ، وكانت لحظة لا تنسى حين حضر فأحاط به الحضور وراحوا يصفقون لـه بحماس فصار يتطلع في الوجوه غير مصدق لما يحدث حتى إذا ما استمر التصفيق لدقائق أخر، زال عنه الحذر وراح يرد التحايا بفخامة تتناسب والوهم الذي تملكه ، ثم سار بينهم منتشيا منتفخا بالغرور ، عندها انبرى لـه أحدهم منحنيا أمامه انحناءة حاجب لوالي وتقدم كي يدله على كرسي فخم يقع في صدر القاعة ، ثم انهم فاجئوه بإنارة المصابيح الكاشفة في وجهه ، وبتوجيه كاميرا فيديوية إليه ، فإذا به ينتفض واقفا كمن يستيقظ من كابوس مرعب ، لكن يبدوا انهم قد حسبوا لكل شيء حسابه ، فلم يفاجئوا برد فعله هذا وزيادة في إتقانهم للدور أبدوا استغرابهم واستنكارهم لـه زاعمين إن للجائزة شروط أبسطها هو إجراء حوار مع من سينالها ، فعاود الجلوس ودارت الكاميرا مع أول سؤال ، ومن ثم تناوبت الأسئلة بسيطة سهلة لا تتناسب وتلميذ مبتدئ ، لكنه وبدلا من أن يشك بالأمر راح يجيب عن الأسئلة ويبالغ بشرح أمور تافهة دون أن يتنازل عن اصطناع الوقار حد الانتفاخ ، حتى إذا ما مرت بضعة دقائق بدأ جسده ينتفخ أيضا وصار بالوسع التنبؤ انهم إذا ما واصلوا محاورته بهذه الطريقة فانه ربما سينفجر ، فسارعوا إلى سؤاله عن رأيه في الكاتب الذي يسرق من الآخرين نتاجهم فيضيف لـه ويحذف منه ثم يدعي انه نتاج قلمه ، عندها توقف عن انتفاخه المضطرد ، وقبل أن يجيب انهالوا باستفسارات مستقاة مما جمعوه عنه من فضائح وسرقات ، فأصابه التلعثم وابتلع ريق إحراجه وبان بروز حنجرته ككرة تتراوح صعودا ونزولا متوافقة مع تراوح أكاذيبه ، وتراجع شدقيه حتى كادا يصلا إلى أذنيه في حين بدا فمه يتسع بطريقة منفرة وكأنه قد فقد سيطرته عليه ، أما قبضتاه فقد راح يعصرهما بقسوة فاحمرّتا ولم يعد يعرف أين يضعهما ، والعظمة التي انتفخ بها في البداية نقص هوائها وبدأ حجمه يتضائل حتى صار يشغل نصف المقعد ، وتسارعت دقات قلبه بإيقاع تموسق مع طبول الفضيحة التي صارت تقرع أذنيه بدوي هائل ، فهم بالنهوض متعكزا على آخر أكاذيبه زاعما أن ما يحدث الآن هو مؤامرة دنيئة خطط لها أعداؤه ونفذها من كان يظنهم في صفه ، فأجابوه بصوت واحد ودون اتفاق مسبق بأنها ليست مؤامرة كما يظن وإنما قضية انتدبوا أنفسهم لها كي يجتثوه ويجتثوا أي عضو فاسد يحاول اعتلاء صهوة الأدب لتحقيق أمانيه الشريرة ، كان الكل يقفون وقفة رجل واحد أمامه ،ينظرون إليه باحتقار وهو ينقل أبصاره بينهم بذهول محاولا استيعاب حقيقة ما يحدث ومتخيلا شكل حياته القادمة بلا ألقاب أدبية وبلا أدباء والشهرة التي كان يسعى لتحقيقها تحولت إلى فضيحة وعار سيظل يلاحقه مدى الحياة ، فلم يجد من فعل يقوم به سوى مغادرة المكان ، لكنه انهار فوق المقعد قبل أن يستقيم بجسده ، وفغر فمه ثم تدلى لسانه وهو يهم بالكلام معترضا ، لكن مرفقاه انثنيا ، وبدلا من الكلام أخرج صوتا شبيها بالنباح / عندها كور أحد الأدباء المتحلقين حول الطاولة بضعة أوراق ورماها عاليا ، فطارت ثم هوت عند قدمي ،فصحوت من الذكريات ، ورأيته يخف باتجــاهي ملاحـقا الأوراق بعينيه وكأنه قد تعود منهم هذه المنة ، حتى إذا ما رأى مستقرها عند حذائي التقطها دون أن ينظر إلي وهرول مسرعا خارج المقهى ، كفعل كل يوم منذ أن أصابه ما أصابه .



معا

يمد يده ، يقتطف لها باقة أزهار من لوحة في جدار ، تمد يدها تمسك الباقة تشم عطرها ، تحس دفقا من نشوى تسري في أوصالها ،تدور سكرى في المكان ، ينظر إليها ، تنساب يديها بين يديه ، تسري إليه النشوى ، يغمض عينيه كما عينيها ، يدوران معا ، ثم ينسابان رويدا ، بلا خطو ، إلى لوحة أخرى في جدار ، يدخلانها ، يسلكان طريقا صاعدا إلى التلال البعيدة ، طريقا تظلله أشجار ملونة ، يمضيان فيه حتى يصيرا صغيران كما فراشتان ، ثم يغيبان معا خلف التلال ، ولا يبقى في الغرفة إلا باقة أزهار .



مدى الروح

أشجار الليل تسترق السمع إلى خطوي الحاني . وخطوات الليل المتشيء في الطرقات تتثاقل ظلالها فتحط بعناد جاثمة فوق أنفاسي " داكنة هذه السماء كأن الأسود انتصار . وأنا منذ زمن لم افرح بالنهار" أي سخف من الشعر يراودني ؟ … أخرج من جسدي اسبقه في خطوه المتلكئ فوق إسفلت الطريق هذا الأحمق لن يسبقني سيعيقه صدره المتعب من كثرة التدخين ، أنه يجرجر قدميه بعد نهار من العمل الشاق ، يصبرهما بأمل الوصول وبلقيا العيال والزوجة وبالراحة والمأكل وبالفراش الدافئ ولوك الخيـال ، أي جمال ؟ ..أي خبال ؟! . لا لن أدعه يسبقني فأنا منذ الطفولة لم أخرج منه . ربما لهذا أشعر بالتحرر من حصار الجسد . فأطير عاليا ثم اهبط وأظل أعدو لاهيا كذاك الطفل الذي غفا مع النسيان ، أهفو مع الريح ، تكاد النشوة تبددني أصيح عليه معابثا – عليك أن تلحق بي .. وإلا …

التفت إليه فرأيته يحتضر ورأيتني منزوع الإرادة أعود إليه . أدخله ثانية . أفكر بمعزل عنه – علي أن لا أتركه ثانية … كي يعاود المسير فتحت ذؤابة شيخوخته المبكرة ثمة جمرة سؤال .



بـــــدايـة

مقوس الساقين ، يخطو فرحا وينظر إلى أفق بعيد بحبور وصفاء فمه منفرج يطير لعابه في وداع شمس تستحم في أحضان بحر بعيد . يحس بأنه اكثر طولا من يوم أمس . اكثر طولا من كل الأيام التي مضت في هشاشة ، ويعرف بأنه سيصل إلى بيتها هذه المرة ، ويجدها فيلمسها كما لم يفعل في حلم الأيام التي مضت في غرابة، هي قالت له بأنها ستنتظره . هي نادته من بين الصغار الذين فضحوا عورته في نوبة عبث هو محورها دائما .. هي نادته وقالت من بين لهاثه وعرقه : " كبرت يا ولد " …

" عبيط الحي " يطير به الفرح ويعلو فوق آماد بعيدة مفروشة بالنساء وأنهار الخمر والعسل .. ـ نساء في نساء … تلك حلوة الحي تصبّ الماء على صدر أمها ، وقد عادت مثلها حلوة صغيرة وتلك تشبهه – قد تكون أمه وتلك ربما أخته وتلك … كلهن يصرن جميلات ، يصرن أهله ـ ويحس دفء اللحم الذي لم يطعم منه ويختلط الحلم الذي يهدهد طريقه بصورة كالغبش في ذاكرته لرجل غليظ يلاحقه من زقاق إلى زقاق ، وقد ضبطه متلبسا بالنظر من ثقب صغير في حائط حمام نساء المدينة ! .. المجنون هذا …

يتلفت مذعورا يخشى أن يطلع له الرجل من عتمة ليل قديم فيسد عليه الطريق إلى أول امرأة أرادت أن تمنحه شيئا طالما حلم به .



ربــــمــــا

ادخل غمار اللحظة مندغما في كينونة تنبض بالتوجس والشك ، يساورني الحزن على ضياع شئ ما ، تكاد دموع طفل كسير ومحتجز تفر من عيني ، هي قالت لي .. سوف آتي بعد قليل ، ووعدتني أن لاأحد يؤذيني ، مددت يدي ، عندها ، أوشكت على لمس نبرتها المودَعه غير أن حرير صوتها كان قد أنسل من اسفل الباب التي أغلقت دوننا . فعرفت أنها أبدا لن تعود ، وان علي خوض معركتي وحيداً . ولكن .. حين تصير الوحشة نافذتي الوحيدة . اطل منها على صحراء روحي واشاهد كل الأشياء الندية تسارع إلى التبخر أو الفناء ، يزيغ بي البصر واوشك على الانهيار .

في البدء وسموني بالجنون سدوا دوني منافذ شتى كي يحرموني مما أريد تآمروا علي ،ّ أقالوني من عملي ، أشعلوا النار في غرفتي التي كنت اسكنها في نزل عتيق ، زعموا أنى مصاب "ببرنويا الحرائق"1 . أدخلوني مستشفى الأمراض العقلية . ثم جاءت هي ، قبلت يدي ورأسي وأخرجتني من المستشفى بضمانات لم افهم فحواها .. فرحت كثيراً حين وجدتني معها خارج الأسوار الشائكة . ولم أكن اعلم أني سريعاً سأعود من حيث خرجت ولكن .. اشك هذه المرة أنها ستقوى على إخراجي بالرغم من وعدها الذي بذلته لي قبل قليل .



في مدى الليل يزرع الشيطان وردة

يوغل في مدى الليل بعينين حائرتين من خلف نافذة صغيرة طبعت قضبانها المتصالبة في تجاعيد وجهه خطوطا حمر باهتة . يداه متدليتان من بين القضبان ومستنيمتان إلى برودة هواء الليل ـ ليل ثم ليل .. شتاء آخر يرحل ـ تنفرج شفتيه ببسمة رضيه ويعاود التحديق في ظلام الليل إلى أبعاد غير واضحة لأشباح قصور عالية ومن خلفها أصوات مركبات تخرق صمت الليل في مرورها المستمر فوق الشارع العصري فترسم بلغطها الدائب خطا مستقيما يوازي صمت القصور العالية . يغادر النافذة ملتقطا سيجارة من فوق المكتب العاري ، يعود إلى حيث كان فتنطبق الخطوط الحمر على قضبان النافذة ينفث غيمه صغيرة من الدخان فتضيئها خيوطا من النور كسيرة وتتلاشى . يسمع صدى لصوت قديم يأمره بأن ينام ، يحاول أن يستعيد صورة قريبة إلى نفسه وشفتان غليظتان تبسملان من أجله بالدعاء ومسـبحة تتسـاقط حباتها كدقات ساعة . يشد على قضبان النافذة بقبضته ويحس الوحشة تتكاثف من حوله وتقهره فتغلق دونه منافذ ذاكرة مثقلة بحيوات الأهل الذين رحلوا إثر مرض لا يذكره إلا حين يدور ليلا في غرف البيت الخاوية معبئا أنفاسه بتلك الرائحة العتيقة العطنة الثابتة ومستشعرا بأنه يقوم بطقوسه اليومية تلك قبل النوم كواجب ثقيل ممتنع عن الفهم .. ثمة انتظار ما يلوح من هاتين العينين الذاهلتين يوسع مداهما ويمنع العبرة من التكور والانسلال إلى القضيب المعدني البارد ـ لو أنها لم تمت قبل موتكم يا أبي لأحرزت أولى انتصاراتي ـ

وثمة إحساس معذب بتراكمات من الأيام والشهور والسنين في حدقة هاتين العينين يصعب معها التمكن من الولوج في مدى الليالي التي تمر بأبعاد واضحة وغير متصالبة فيبدو كأن ثمة غشاء قد أسدل فوق إلتماعة العينين ويوحي في عمقها المترامي بأن الأفكار تلبس غير ألوانها ويتمثل له ذنبه في أنه ينسى العالم كله ولا يتذكر سوى أهله في الحين الذي يعوزه اليقين في أنه حقا يتذكر ، ما دامت كل الأفكار التي تربط بين الأهل والحبيبة هي وحدها التي تطوف بذاكرته وتراوغه بتقلبها إذ تطفو صور الأهل الذين يحبهم فوق سطح مريب يذكره بأرض الرمال الناعمة ويعاود في هذه اللعبة وهو مدرك بأن ثمة علاقة ما بين هذا الغشاء الذي يظلل عينيه وبين الانتظار الموارب خلف تذكر الأهل يخفي رؤيا حادة يبعدها عقله الباطن بنفور: كما الكفر في ليلة مباركة . غير أن ضحكة ترن في صدى الليل فتقوض تلك الرسمة التي يقف بها وحالة انتقاء الوعي في الذاكرة، فتهزم كل وقار الرؤى المرتـقات إلى الأهل الأحبة الراقدون خلف سياج المقبرة ـ أنها اللحظة التي يموت فيها شيطان عجوز ويصحو شيطان لا أذكره ـ تهب نسمة هواء باردة فيطردها بنفثة دخان ويعود إلى التماعة شفتين أوقدتا فيه لظى رغبات أباحها لنفسه في الخفاء وفي ظل أب كان يكف عن موعظته حين يراه راكعا يصلي إلى شفتين في العلا تضيئان هالة تشبه التماعة عينيها ، يغرق في التبحر ماخرا لجا شطآن تلمع في مويجاتها ظلال لعروسه الخاطرة أبدا فوق رمال ذهبية وبلا نهاية ـ الأولى أحببتها والثانية ضاجعتها ولا أدري أيهما التي تلاشت ـ يمتزج بعريها ويسافر في المدى الأزرق تسبح شفتاه بكلمات غامضة ويلهج الأب بالدعاء له وهي تمرر حلمتها فوق شفتيه فيغيب الصوت اللاهج ويرن في أصداء ذاكرته القصية بكاء رفيع وعتيق لطفل يلامس رأسه قاعا لدنا وتصاحب بكاءه ضحكات ظفر وتهان تتناثر من شفاه قريباته اللواتي يحطن بأمه ينتبه لشفتيه تلثمان قضبان النافذة ويدير بصره في أرجاء حديقته السوداء . ويلمح شبحا لوردة صغيرة قرب السياج فيغلق النافذة .

الخميس، 27 مايو، 2010



نرحب بمساهماتكم وآرائكم واقتراحاتكم على العناوين التالية:




almuntada2010@yahoo.com


majidalhydar@yahoo.com


mohshah65@yahoo.com

الاثنين، 24 مايو، 2010



آهٍ... ما أبعدَ بغداد !

د. ماجد الحيدر









(بينَ الثالثٍ من كانون... والثالثِ من كانون..سنةٌ مرَّتْ..)


لا أريدُ أنْ أراها..

أخافُ على الذكرياتِ القديمة !

***

هل ما زالَ فيها شيوخٌ يتراشقونَ بالنكاتِ البذيئة؟

وسائقونَ ثرثارون؟

وصِبيَةٌ يفرّون من أسيجةِ المدارس؟

وأمّهاتٌ يَصلُحنَ للبكاء.. ورتقِ الجواربِ العتيقة؟

وغيومٌ .. ورائحةُ طين؟

هل تعبَ عبد المحسنِ السعدون من استقبال القادمين من ساحةِ التحرير؟

هل يأخذون سترةَ الرصافي للغسيل والكيّ ؟

وباعةُ اللبنِ المالح بالثلج ، عند رأس الشورجةِ القديم..

هل بقيَ منهم أحدٌ على قيدِ الشقاء؟

***

أريدُ أن تأخذوا قلبي اليها

أريدُ أن تأخذوا رؤوسَ أصابعي

وما تبقى من الساعات

***

سلاماً الى شجيرات الدِفلى القبيحة / قد يئستُ من رؤيةِ النخيل!

سلاماً الى عرجانها، وبرصانها، وعميانها

ومفلوجيها، ومحرَّقيها، ومبتوريها / لستُ واثقاً من الأصحاء!

سلاماً الى مجانينها المشرَّدين / أعني أعقل الحكماء!

سلاماً الى فقرائها / أما أغنيائها فلا !

سلاماً الى أعمدةِ الرشيد العجوز / لا توجعوا جلدها الملتهب

حين تنزعون عنها الملصقات القديمة

وتوشحونها بالسواد !

سلاماً الى أنوف الصبايا المحمرّةِ من البرد.

سلاماً الى الطوباويين من بنيها

أولئك الذين لا يعرفونَ من أينَ تؤكلُ الأكتاف..

أولئك الخاسرينَ الأبديينَ

الذين يجاهرون بالعصيان

ويطوفون في آخر الأسبوع

بينَ الشابندرِ ومقهى الزهاوي

ويرمونَ جِمارهم في النهرِ

أو فوق مناضدِ الحانات الهرِمة

لتخرجَ لهم -مثلَ أسنانِ التنّين-

جمراتٌ طازجةٌ غيرها

يدثِّرونها بمعاطفهم المهلهلة

ويحمونها من المطرِ المباغتِ

وماء الآماق الذَلول.

سلاماً الى مقابرها التي تنازل ساكنوها عن شواهدهم

واكتفوا بالوجوم.. والسؤالِ عن جدوى كلَِ شيء.

سلاماً الى حماماتِ فائق حسن / لا تُخبروها أنَّ سعدي يوسف قد تنكَّرَ لها.

سلاماً الى الناحلين البردانين تحتها

الضاحكينَ رغمَ كل شيء

المتحلقين حول مواقد الصفيح والقمامة

بانتظارِ المقاولِ

أو المفخَّخّةِ التالية..



محيي الدين زنكنه قاصا
البواكير

د. فاضل عبود التميمي




المقدمة:
بدأ محيي الدين زنكنه (1940-...) حياته مهووسا بحب القصة، قارئا نهما، ومتابعا فطنا لكل ما ينشر من قصص، وروايات تقع تحت نظره ... حتى قيض له في العام(1955) كتابة قصة، أو قصتين في محاولة لاختراق حاجز الرهبة، وتأكيد منحى الرغبة في الدخول الى عالم الأدب: وهو عالم ساحر، مؤطَّر بمعاني الجمال سبق لمخيلة محيي الدين زنكنه أن اكتشفته وهي تبحث عن مرجعيات وعيها الحياتي...
لقد انحاز زنكنه الى القصة وعرف بها، ولكنه ما لبث أن كتب المسرحية، والرواية أيضا حتى غلبت الكتابة الى المسرح على شهرته الأدبية في العراق، وخارجه على الرغم من عدم انقطاعه عن الكتابة القصصية، والروائية.
تسعى هذه الدراسة الى (قراءة) سرديات طفولة الكاتب محيي الدين زنكنه من خلال التدقيق في قصصه الأولى، في متونها المخطوطة التي سبق للكاتب أن أنجزها وهو في ريعان الشباب.
***
البواكير
في البدء كانت البواكير حاضنة النواة، منها تسري رحلة البحث عن الذات لمواجهة (الآخر)، وتشكيل الرؤية التي يتجاوز من خلالها الكاتب معمّيات الأشياء.
في البدء كانت البواكير... منها يتلصص (الكاتب) بوعي أولي يحاور، ويديم الصلة مع الحواس حتى إذا ما اكتملت أدواته المعرفية، والفنية كشف قناع الخوف عن وجهه ليبدأ مع نفسه وأفكاره رحلة الألف ميل التي تبدأ عادة بخطوة واثقة غير متعجلة.
"محيي الدين زنكنه" الذي ولد في مدينة كركوك في العام 1940، ويعيش اليوم في مدينة بعقوبة، الكاتب المسرحي، والروائي، والقاص هل تتطابق بواكيره الأدبية مع حكاية الاستهلال التي سردتها؟
إن القول الفصل في وعيه القصصي، والمسرحي، ومعرفة بواكيره ظل حلما بالنسبة إلى أصدقائه، ومحبيه؛ ذلك لان أحدا لم يطلع على محاولاته الأولى، والكاتب نفسه قليلا ما يتحدث عنها، فهو قليل الكلام عن ذاته يشيح بوجهه عن المقابلات، واللقاءات الصحفية، وكانت عزلته ولمّا تزل عزلة مبدع لا يهمه منها سوى الإبداع(1)، وتأكيد نزعته الإنسانية التي تتقصى مشكلات الحياة بعيدا عن التهريج، والإعلان؛ لهذا صارت سيرته الأدبية مصدر قلق وتقوّل لكثير من دارسيه أخضعها قسم منهم إلى تأويلات شتى... أما سعيه إلى (الشهرة) فهو أبطأ من زحف سلحفاة ! (2).
ترى من أين يستطيع الباحث، أو الناقد أن يحصل على كتاباته الأولى؟ وكيف؟ إذا كان الوصول إلى (عمومياته) شيء صعب، كيف يوفق إذن في تقليب مذكراته- إن كانت له مذكرات- وكيف يقرأ طفولته وهو يقلب (البوم) صوره الأولى، وكيف يطلع على بواكيره ويحدد جنسها الأدبي إذا كانت كل الأمور تجري في حالة من التغييب المتعمد للأثر.؟
لقد تحقق لي ما كنت أعده مستحيلا.. وها أنا ادخل بمحض رغبتي، وبالصدفة وحدها (مكتبة زنكنه)، قلّبت ما شاء لي من مقتنياتها، وعبثت بعشرات المجلات، والكتب النادرة، والطبعات الخاصة.. وعندما تسمّرت عيناي على دفترين قديمين في رف من رفوف المكتبة أيقنت أن بواكير محيي الدين زنكنه أصبحت قاب قوسين أو أدنى من قلمي: دفتران بملامح رثة خط عليهما الزمن ملامح القدم، الأول اخضر اللون، احمر الكعب، والثاني مغلف بجلد اسود، بين دفتيهما وجدت محيي الدين حميد زنكنه في بواكيره الواعدة، وتلصصه على الحياة يوم كان برعما يشي بشيء جميل.
الدفتر الأول يحتوي على خمس قصص قصيرة كان الكاتب قد دبجها بين الأعوام (1955-1959) أي بين أعوام الدراسة الإعدادية، وقسم من الدراسة الجامعية، أعدها لتكون مجموعة قصصية ولكنه لم يطبعها وقد تجاوزها فيما بعد وربما عدها من البواكير التي لا تصلح للنشر.
المجموعة بلا عنوان، والعنوان ضرورة، والبحث الدقيق في أوراقها هداني إلى قراءة (مقدمة) لها ليست قصيرة سمّاها الكاتب (بعد سنتين) وقد تأكد لي أن هذا العنوان لا علاقة له بعنوان المجموعة الذي لم يكن، وانه كتب بلغة واضحة، وصريحة خص بها مجموعته تلك، جاء في استهلالها:(عندما أعود اقلب صفحات هذا الدفتر لا املك نفسي من ابتسامة فيها من الاستلطاف قدر ما فيها من الاستهانة؛ ذلك لأنها تحبب إلى نفسي الأيام التي ودعتها من غير رجعة التي كنت احلق فيها في أجواء الخيال... واركض وراء الفراشة في البساتين) ثم يسهب في تصوير معاناته يوم كتب قصصها وهو غارق في الخيال والأحلام ناسيا أبناء جلدته من البشر لا يشاركهم أحزانهم، ولا يواسي مصابهم، ولم يحاول مرة أن يمسح دمعة عن خدهم فقد كان والقول له يصيح: (في بيداء الحب والغرام).
المقدمة تعطي فكرة للقارئ يمكن تحليلها في النقاط الآتية:
إن الكاتب بدأ مشروعه الأدبي في بواكيره تلك من الذات، من موضوعها الأجمل (الحب)، وهذا شيء يتناسب مع توجهات الكاتب يوم ذاك، وهو في أول شبابه، وانبهاره في الحياة، والجمال... لقد كتبت أولى تلك القصص ومحيي الدين زنكنه لما يزل طالبا في المرحلة الرابعة من الدراسة الإعدادية، وقد كان صادقا حين قال في تلك المقدمة إنها- قصصه-:(تصور حياتي في تلك المدة تمام التصوير).
إن الكاتب بعد أن أنجز قصصه بمدة وجيزة مرّ بتجربة سياسية عمقت من وعيه الأدبي وجعلته ينظر إلى تلك التجربة بمنظار الاستصغار، والاستهانة على الرغم من أن موضوعاتها إنسانية جميلة.
إن المقدمة كتبت بتاريخ 27/6/1958، وهذا يعني أنها كتبت قبل ثورة تموز بأيام قليلة، وانه كتبها بعد فراغه من كتابة جميع القصص سوى قصة (اللحن الأخير)التي كتبها بتاريخ 12/8/1959.
إن المجموعة كانت بمثابة التمرين الأدبي للكاتب، يدل على هذا:عدم رضاه عنها، وعزوفه عن نشرها فيما بعد.
أعود إلى المجموعة نفسها فأقول: إن الكاتب ذيل جميع قصصها بتواريخ تشير إلى زمن الانتهاء من كتابتها؛ وهذا يعني أن الكاتب فطن مبكرا إلى أهمية توثيق نصوصه، وهذا ما ظل يفعله حتى أيامنا هذه وقد أنجز الشيء المهم والكثير في المسرح، والقصة والرواية.
اشتمل متن المجموعة على تخطيطات بالقلم الرصاص مثلت وجوها إنسانية غير مكتملة الملامح، وتخطيطات تحيل على استباق حالته الإبداعية، فهو يخط بالقلم الحبر مثلا عبارة :(مؤلفاتي كلمات قديمة) ليشير ضمنا إلى عدم رضاه عما سيكتب، والى رغبته الصادقة في تجاوز يومه إلى غد أجمل... ووجدت الكاتب يزين عنوانات القصص بأشكال جميلة تمثل طيور البطريق، والبلابل، وهذا يؤكد نزعته الرومانسية التي بدأ فيها الكتابة ثم سرعان ما غادرها بفعل تحولاته الفكرية اللاحقة... وكان يعمل على اجتزاء نص معين من قصصه، لكي يضعه قبل عنواناتها وبعدها؛ لتكون تلك الملصقات إحالات يؤكد فيها الكاتب(بوحا) معينا يمكن للقارئ أن يسهم في فك مغاليقها؛ ليكون في قلب القراءة والتلقي.. وهذا ما فعله في قصة (اللحن الأخير) التي ذيل عنوانها بالنص الآتي الذي اقتطعه من ختام القصة نفسها:(أحبت الموسيقى والألحان، وطبيعي أن الدير خال منهما قفر، ليس فيه غير تراتيل الرهبان، ودقات النواقيس... فقضت عمرها مرددة أغلى ما وعته الأوهام..).
أما قصة (أنا والليل) فقد خط عنوانها بالأبيض وجعل فضاءه باللون الأسود تاركا هذا الطباق التشكيلي يمنح المتلقي دلالة يمكن تفسيرها بالإحالة إلى ما في القصة من شد دلالي, وقد أهدى قصته (ذهب ولم يعد): (إلى التي جعلت من شفتيها كأسا، ومن رحيقها خمرا ارفع هذه السطور) مكررا إياه حول العنوان.
قصص المجموعة ماذا حملت؟ وبماذا بشرت؟ وكيف يمكن للقارئ اليوم أن يتلقاها؟ قصة (أنا والليل) كتبت بتاريخ 4/12/1955, و(قبلة في الظلام) في 8/7/1956, و(التضحية) في 21/10/1956،و(ذهب ولم يعد) في 18/1/1957، و(اللحن الأخير) في 22/8/1959... هذه القصص يجمعها قاسم مشترك هو (الحب): ففي (اللحن الأخير) هيمن على شخصية بطل القصة أحمد في حدود المكان الأليف(كركوك)، وكذلك الموسيقى بوصفها فنا إنسانيا جميلا، و سلوى.. ولكنه انتهى بمأساة .. وفي قصة (أنا والليل) كانت لغة القص شعرا في الاستهلال: (هدأ الليل، ورقد الكون، وهاجت في نفسي الآلام)، هذه الشعرية كانت المدخل لمعالجة موضوعة الحب في حوارية: الحمام، والحزن، والسعادة التي بدت حلما جميلا زائلا في الحال... في قصة(قبلة في الظلام) التي عمد الكاتب إلى ترقيم متنها، قدم فيها موضوعة الحب مغموسة بحكم الأقدار ولكن بلغة كان الوصف فيها يؤكد منحى الكاتب في تحليل النفس الإنسانية عبر ثنائية حب الذات ومعاقبتها..وهذا ما لم يفعله في قصة (ذهب ولم يعد) التي غلبت على خطابها لغة التقبيل, والحوار، والتكثيف وكأنها تعويض عن فقدان ما , وقصة (التضحية) لا تختلف في موضوعها عن سابقاتها.. ليل وحب بدا من طرف واحد ثم اخذ منحى صريحا من طرفي الحياة: الزوج، والزوجة ولكن باتجاه آخر.
ثمة قاسم مشترك بين القصص كلها: التشبث بالحلم الرومانسي، والفقدان والاستلاب، ومحاولة التعويض، ومعاقبة الذات، والصراع الحاد مع النفس... ولا ادري لماذا خص الكاتب قصتين منها بأسماء شخصيتين مكررتين: (أحمد) الذي كان بطل (اللحن الأخير) و(قبلة في الظلام)، وكذلك (سلوى) التي تكرر اسمها في القصتين.
أما الدفتر الأسود فقد بدت أهميته التوثيقية دون الدفتر الأزرق؛ لأن قصصه لم تؤرخ وبدت الأقرب إلى يومنا هذا، ويخيل لي أنها كتبت في نهاية الستينيات من القرن الماضي؛ ولهذا شكلت علامة فارقة في سيرته الأدبية؛ لأنها كانت الأكثر نضجا وتماسكا، عدد القصص أربع، اثنتان سبق للكاتب أن نشرهما في مجموعته القصصية الأولى (كتابات تطمح أن تكون قصصا) وهن: (السد يتحطم ثانية) و(حرمان)، ما يهمنا الآن الحديث عن الاخريتين: (الليل والمطر) و(هدية لسعادة الباشا)، الأولى كتبت بلغة فارقت لغة قصص البواكير فقد بدا في الليل والمطر عازما على الخوض في غمار المشكلة الاجتماعية بتأثير التحولات الفكرية والنفسية التي أكسبته قدرة على رؤية الواقع والغوص في نسيجه العام والخاص، ولأنه أراد أن يكشف جزءا من الصراع النفسي الذي هيمن عليه السوء الأخلاقي اختار زوجة الأخ اللعوب مثالا... فقدم قصة قصيرة تخطت حدود النجاح في القصص الخمس السابقة.
أما قصة (هدية لسعادة الباشا) فقد استطاع كاتبها أن يسبر أغوار (الفقر) حين يكون هما إنسانيا يجثم على صدر(البراءة)، و(التحسس) و(تأكيد الذات)... وهي فضلا عن هذا تكثيف لصورة الزيف الطبقي الذي عادة ما يكون ظاهرا في حياة تهيمن على واجهاتها ثنائية الشخص المتحصن بذاته، والشخص التائق لملاقاة الآخر ... القصة كتبت بوحي من مقدمة الدفتر الأزرق التي حاول من خلالها أن يغادر الكتابة عن الذات ليدخل في الكتابة عن الآخر فكان له ما أراد في كتاباته اللاحقة.
في هذا الدفتر مسرحية واحدة عنوانها (الإجازة) كتبها بتاريخ 4/6/1957 فهي من مسرحياته المبكرة، وقد سبقتها محاولات لم تر النور... ومما هو جدير بالملاحظة أن أول مسرحية نشرها الكاتب كانت (14نيسان) التي ظهرت لأول مرة منشورة في بغداد على صفحات مجلة (صوت الطلبة) في العام 1959.. فالإجازة تسبقها بعامين، ولعلها المسرحية الوحيدة التي لم ينشرها الكاتب في كتاب أو مجلة؛ ربما بسبب لغتها العامية التي تحول دون انتشارها عربيا؛ وربما لأنها من (البواكير) التي اعتقد بتواضع بنيتها، وعدم انسجامها مع ذائقته التواقة لكتابة عمل متميز ودقيق، ولكنه أذن بتمثيلها في مدينة بعقوبة في العام 1977، وقد اشتركت في تمثيلها فرقتا مسرح بعقوبة، ومسرح ديالى برؤية إخراجية تكفلها المخرج سالم الزيدي.
مسرحية الإجازة تستعرض بحوارات واضحة قضايا اجتماعية، واقتصادية إطارها العام: مشاكل العمل، وجشع صاحب الشركة، والوعي السياسي الأولي للعمال من خلال إشكالية موت صاحب الشركة الذي ظل البحث في أسبابه سؤالا مفتوحا ردده المؤلف في نهايتها...
إن الإطار الفكري للمسرحية هو الآخر ينسجم مع دعوة الكاتب التي ضمنها في مقدمته السابقة وهذا يعني أن الكاتب كان وفيا لأفكاره، وتطلعاته التي أراد من خلالها أن يعلي من شان الإنسان.
إن (بواكير) محيي الدين زنكنه(3) تعطي فكرة مؤداها: انه بدأ مشروعه الأدبي، والثقافي جادا... هاجسه الإنسان من دون أن يخوض في جزئياته، وعلاماته الفارقة.. هذا ديدنه في البواكير، والأعمال اللاحقة التي عرف بها في العراق وخارجه.
***
الخاتمة
إن الحفر في مدونات محيي الدين زنكنه الأولى يعطي انطباعا واضحا عن بواكيره التي تتميز بقدرة واضحة على كتابة نص قصصي اقترن بموهبة أدبية ليس من السهولة إنكارها... بواكير محيي الدين زنكنه حلم شاب حاول إن يؤكد ذاته، وان ينفتح على عالمه فكان له ما أراد.






الإحالات
للمزيد عن عزلة محيي الدين زنكنه ينظر:
1-الأديب والعزلة: د. فاضل عبود التميمي جريدة القادسية في 18/11/1999.
2-محيي الدين زنكنه الشهرة خارج إطار القصد: د. فاضل عبود التميمي: جريدة الصباح في 20/12/2003.
3-بواكير محيي الدين زنكنه: د. فاضل عبود التميمي : جريدة الزمان في 26/2/2004.


منتدى شهربان الثقافي

ثقافة ديمقراطية إنسانية



منتدى شهربان الثقافي منظمة ثقافية ديمقراطية مستقلة تأسست عام 2004 في مدينة شهربان "المقدادية" على يد نخبة من الأدباء والمثقفين العراقيين. يعمل المنتدى على نشر وتعميق قيم الثقافة الديمقراطية والوطنية والإنسانية المعاصرة في مجتمعنا العراقي الجديد.

تعود فكرة تأسيس المنتدى الى العام 2000 عندما تشكلت حلقة منتظمة من الأدباء والمثقفين وأصدرت مطبوعها الأول "في ظل ليمونة-مجموعة قصصية مشتركة" وصارت هذه الحلقة تعرف باسم "جماعة الليمونة". وأعقب ذلك عدد من الخطوات للشروع في تأسيس المنتدى. غير أن الوضع السائد في ظل النظام الشمولي السابق من رقابة خانقة وتسخير للثقافة والأدب لخدمة الجهاز الإعلامي والدعائي للنظام دعا هذه المجموعة الى سحب مشروعهم رغم المغريات التي قدمت لهم.

بعد سقوط النظام واصلت المجموعة عقد لقاءاتها وجلساتها برغم الظروف الأمنية العصيبة وعادت من جديد فكرة تأسيس المنتدى. غير أن الفكرة اصطدمت بجدار اللامبالاة وامتناع السلطات المحلية "الجديدة" عن تقديم أي نوع من أنواع الدعم المادي أو المعنوي أو تخصيص مقر يليق بالمنتدى فكان أمام هذه المجموعة خيار من اثنين أما القبول بالانضواء تحت يافطة أحد الأحزاب المتنفذة وهو الأمر الذي يتعارض بالكامل مع الطبيعة المستقلة التعددية للمنتدى (رغم الاحترام الكبير الذي نكنه لكل القوى السياسية الوطنية) أو الاعتماد على الإمكانات الذاتية البسيطة لأعضاء المجموعة على أن يجري تطوير العمل بشكل تدريجي كلما توفرت الإمكانات المادية والظروف الملائمة، وهذا ما أقدم عليه مؤسسو المنتدى حين أقدموا على اتخاذ غرفة ملحقة بالعيادة الطبية الخاصة بأحد أعضائه مقراً لهم وقاعة لإقامة نشاطاتهم الثقافية وأمسياتهم الأسبوعية. وهي بلا شك تجربة سوف يذكرها تاريخ الثقافة العراقية باعتزاز وتقدير.

حرص المنتدى على إقامة أمسياته الثقافية والأدبية كل أسبوع حتى في أصعب الظروف الأمنية والاقتصادية، فقد نجح المنتدى في إقامة العشرات من تلكم الأمسيات غطت العديد من جوانب الثقافة والآداب من شعر وقصة ونقد وقانون وتاريخ وفنون وفلسفة وعلم نفس واجتماع الخ. كما شارك ممثلون عن المنتدى في عدد من المهرجانات والمؤتمرات الثقافية داخل القطر. ورغم أن المنتدى قد خسر مقره وانفرط عقد جلساته فها هو يبدأ من جديد على صفحات الانترنت وعبر موقعه هذا ليؤكد أن الظلام زائل لا محالة وأن المستقبل، كل المستقبل، للنور.. للثقافة.. للحياة!

الأحد، 23 مايو، 2010

مزامير راكوم الدهماء والكشف عن مهمة القصيدة

د.إبراهيم علي شكر

يمكن القول أن مزامير راكوم الدهماء وقصائد أخرى المجموعة الشعرية الجديدة للدكتور ماجد الحيدر كشفت عن مهمتها الى المتلقي تلك المهمة التي لم تكن محددة على الرغم من ان شاعرها اطلق لفظ التحديد بمزامير راكوم الدهماء التي اعلنت عن ذلك البعد الممتد بين افق السماء ونهايات اليابسة المحاطة بالمحيطات والبحار والخلجان فضلاً عن سعة الافق غير المدرك بالحواس الا الافق الذي شكلته مسؤولية الشاعر بحدوده المطلقة ذهناً (( كن عظيماً وارفُض الصِغَر )).
والمد الشعري مستمد من الدفتر الذي ترجم مسيرة القافلة التي لا ترى شيئاً سوى الجهة التي انطلقت من اجلها. ولعل المتلقي يوسع الخطى ولا "يجفو الذميل" الذي جفاه من أتعبته مزامير راكوم. ومن بين المفردات نستمد همساً أدركه راكوم قبل متلقيه، ألا وهو السعي والجهد والتعب؛ فخداع النفس لم يكن من الدلالات المقصودة حتما، إنما أراد النقيض لأن راكوم ومريديه استوعبوا النغم وأحاطوا بمداليله التي سمّاها ماجد الحيدر قبل راكوم بتفعيلات المُهدى اليه : مستفعلن فاعلن. فالمزمار والجد والأمل معايير لم يدركها "البخيل" المرفوض زمنا وكوناً. ولعل العنوان الذي حملته مجموعة ماجد الحيدر تؤكد ما ذهبنا اليه، ونستطيع أن نطلق عليه لفظة "الحسجة"، لذلك بدأ ماجد الحيدر بالقصائد الأخرى وترك المزامير تحمل هم راكوم. فراكوم حمل عبء نفسه وحمل عبء أصحابه، عبء العراق وعبء قومه وعبء الانسانية جمعاء. وامرؤ القيس الذي أضناه السفر ما عاد مهما بنفسه لأنه حمل بذاكرته ويلات المتعبين وأشلاء الفقراء الذين راحت "فاطم" تضمد جراحهم متمنية ألا يكون سوى الوصول، على الرغم من طول الدرب. فالطريق طويلة، والوصول هو الغاية وعسى ألا يخيب أمل "فاطمة"؛ لأن الاستفهام الذي حمله مَن في القصيدة الأخرى بعثر المستحيل حينما استفهم الحيدر : "من يرمي حجراً؟" .. "من يقتل من يشبهه؟".
والجمع السامع معروف، كلٌ يعرف ظله ويعرف خلّه، وما بين الظل والخل يكمن الحياء، وإن سقط الظل والخل عندئذٍ يتكشف المحذور فيصرخ الشاعر "عريان لا أخشى عريي" وتتحقق الرؤيا ويعود "الاستنساخ" بأسوأ مما يعتقد؛ لأن العرّاف أخبر صاحبه الذي لا يعرف إلا أربعة : "سكيرا، وعجوزا عمياء، وكلبا ضيعه سيده المجنون، والكأس". ومن تلك الدلائل يستمد ماجد الحيدر مناه: ذلكم هو "الكتاب" الذي لم يعد في عالم الحيدر معروفاً لأنه يبحث عمن يقرأ الكتاب بوصفه صاحب الحيدر، لأن الحياة في الكتاب وفيه "تاريخ الأجداد"، ويجعل "الصحراء الشرقية" جناناً ويحيل النفس الأبية الى سماء العرافين يستجدون الماء. وكتاب الحيدر وحده يحيط بصاحبة "الصائغ" التي انتظرته عند تخوم البحر رديفاً للحيدر الذي لازم الكتاب واعتقد المحيط أنه في "محجره الأبدي" يمارس "طقوس إقليدس" عندئذ يُعرف في "الأزرق" الذي ما زالت زرقته توّاقة للبشر بين "عين" ماجد الحيدر و"الأسيجة" التي لم تستطع أن تمنع المعرفة، لأن "سيدة القلب" لم تتوجس خيفة، إنما أدركت المطلوب وراحت تهدهد لمن ملأه الوجل المستنفر عرياناً، لأن "رنين الهاتف" صار دليلا للبعد الآخر والوجه الآخر. فالحياة عادت من جديد تستمتع بصاحبها المملوء دفئاً وحناناً، رقة وحباً. والساعة تدور وتدور وعلامات العمر باتت بطيّ حكاية "الرجل المضطجع نصف سني العمر" مندهشاً مما حوله/ أحلاما، "يحكم إغلاق البيبان"، والدمع عصي، واللذة بين الناس إلا إياه ما وما وما، ومن يعرفه يدرك عمق التأريخ وسنيّ "عدنان" ماجد الحيدر الذي لازمه حتى وافاه الأجل، وظل ماجد الحيدر منتقلاً بين الحلم واليقظة، يقرأ "وصاياه" وبعض "المنجيات" من الآي الكريم لتعيد الطمأنينة اليه حتى يلفه الصمت ليسترجع عشرين عاما مضت، معتقدا أنه سيخرج مما أحاط به من جشع الحاضر وزيف المبصرين، علّه يجد مما مرت به عربة السنين وهو يستمع الى الأنغام التي ألفتها الآذان واستقطبت أذواق المتلقين. بيد أنه انتبه صارخاً "هكذا لن تستقيم الأغنية". كل شيء بات مألوفاً ليعيد "كل سطرٍ، كل حرفٍ من جديد" لكي لا يكون شاذا كما بينته قصيدة "شذوذ" في الصفحة الثانية والعشرين :
لا أعرف ألوان التمر / ولا أدعيةً للاسترزاق / ولا ولا ولا .. "
لكنه "يبكي حين يسمع فيروز" التي تذكره بصاحبه الذي ترك كرسيه ورحل الى عالم الخلد، وترك الحيدر يسافر وحده يسأل عن وعن وعن. ولن يجد جواباً للسؤال بوصفه ظل دون ردٍ، مستعينا بمدينة "تثائب صيفها على الأرصفة"، وأيامها برتابتها "تدور كالناعور" منادية :-
"لا تسقني ماء الغرام فإنني كفنت قلبي واشتريت حياتي
فالأمر بقي مع الراوي الحالم بروايته التي علقها على "عجوز حسنة الهيئة" نادتها إحدى جواريها "أم عمرو". ليت عمروا أدرك الآتي الذي لاح "لابن أبي صيدا" الذي طواه الجوع وانهكته السنين العجاف، لا "ينتظر المصير" ولا يستسلم للسياف المثلم سيفه، ولم ترهبه "بادية السماوة" لأنه لا يعرف إلا الشعر. وليس غريباً ذلك كله؛ فالممتد بين ابن الفراتين وابن أبي صيدا حبل سري يعرف نفسه، يردد للجميع:
رحت في حرف تزخرفه أنت عن شيء سواه غبي
"خذ أوراقا ويراعا" وخذ ما شئت. "أغلق كل الأبواب". يهدهد نفسه؛ والمعروف لا يعرف؛ فـ "الإبهام" دليل بالبصمة. مهما استسخت "لا تعمد للابهام". فـ"سلخ الجلد" لن يعيق "الدرس" الذي انتهى بـ"الوصية" :
"أغمضوا عينيّ وارموني الى أول حفرة"
فالحفرة لا شك في وادي الشعر والفكر. فالغربة ما عادت يستهويها أحد ممن حددهم ماجد الحيدر، فالقراءة هي الغربة، لذلك ارتضى لنفسه أن يسمع قسما من مزامير راكوم الدهماء التي أدركها محبو ماجد الحيدر. فالقداس الذي "كشف عن المدن الأثرية" في "الأناشيد الدهمائية" التي عزفها صاحبها وحملها راويها سالكة الدرب حاملا عبء العراق وأصحاب الدهماء باثنين وعشرين مزمورا.
وهكذا يستمتع المتلقي بمجموعة ماجد الحيدر "راكوم الدهماء وقصائد أخرى" ولا يجد سوى النغم الشجي واللغة السمحة والصورة الواضحة على الرغم من أنها توحي بتراكم الأطر وتزاحم الرؤية. بيد أن القراءة الثانية والثالثة للمجموعة تفضي الى وضح الأفكار وسلاسة التراكيب وتمكن صاحبها لغة ونحوا وديباجة. ونتمنى للحيدر وعليه الاستمرار، لا يبالي، فوحشة الدرب وطول الطريق والأرق عقبات تخطاها ماجد الحيدر ، وأصحابه ينتظرون المزيد، ولا شك في أنه ملبٍ للنداء… وأهل مكة أدرى بشعابها.

د. ابراهيم علي شكر
عقابُ الحب
شعر: جاسم درويش


أنا..لا ! أقفلتُ قلبي ولساني
لم أعُدْ أطرقُ أبوابَ الحِسانِ

يا ملاكاً زارَني حُلوَ الخُطى
ساحرَ النكهةِ عذبَ الإفتِتانِ

لمْ أعُدْ أهواكَ.. دعني وابتَعِد!
فلقدْ أتعبْـتَني ما قدْ كفاني

لم أَعُدْ أهواكَ قَدّاً مائِساً
يتثَنّى مثلَ عودِ الخيزرانِ

ألفُ لاأهواكَ! كُنْ أو لاتكُنْ!
قمَرِيَّ الحُسنِ وردِيَّ المعاني

أنا لا أعشقُ نبضاً بارداً
خالياً مِن عصَفاتِ الهَيَمانِ

أنا قلبٌ خافِقٌ أسكَرَهُ
وَهَجُ الشوقِ بأقداحِ الأماني

كيفَ أصحو مِن هوى مجنونةٍ
سرَقَتْ عقلي وروحي وجَناني


حطَّمَتني، حطَّمَتْ بُقيا دمي
ورَمَتني فوقَ أنقاضِ كياني

صهَرَتني بشظايا قُبَلٍ
أنكَرَتْ كلَّ احتراقاتِ الزمانِ

أيّها السائلُ عنّي حَبَّذا
لو تراني..حبّذا لو ما تراني

هكذا عاقَبَني الحبُّ فما
عُدتُ إلاّ بعضَ خيطٍ مِن دُخانِ


لم أعُدْ أصطافُ إلاّ في اللّظى
غارقاً في اللاهوى واللاحنانِ


إنَّ مَنْ يعشَقْ غزالاً شارِداً
لاهِثاً يبقَ وراءَ اللَمَعان !

تجليات الرفض بين رؤيتين شعريتين

مقصورتا المتنبي والجواهري أنموذجاً

د. نادية غازي العزاوي



لا تنطلق هذه الدراسة من فرضية وجود قصدية ما، محاكاةً أو معارضةً، بين مقصورتي الجواهري والمتنبي، فهي إذ لا تنفي التأثر فإنما أيضاً لا تحتّمه ولا تنظر اليه من زاوية ضيّقة أو سطحية أو مباشرة (الوزن والقافية المشتركان وبعض التضمينات المبثوثة في تضاعيف المقصورة) ولكنها ترمي الى رصد مسار العناصر والمضامين المشتركة بينهما اتفاقاً وانحرافاً في قراءة تحليلية موازنة تضع في اعتبارها ثقل الموروث في تكوين الجواهري الإنساني والثقافي، بحكم ظروف نشأته الأولى في الأقل:

"أبي... أصرَّ على أن يصحبني معه كل ليلة الى مجالس الأدب والعلم في النجف، أن يجبرني على الاستماع في الليالي الى أشعار المتنبي وزهير، وكنت أسأم أحياناً وأنام. أُجبِرتُ على حفظ نهج البلاغة وأمالي السيّد المرتضى والقالي والبيان والتبيين للجاحظ وأدب الكاتب لابن قتيبة وأنا في الثامنة من عمري، مصيبتي حافظتي وتأتي عندي بعد مصيبة الذاكرة"[1]

ثم تطور الأمر الى وعي بخطورة وحساسية العلاقة بين الشاعر العربي وتراثه حتى يذهب الى القول:

"إن أديبا لم يحفظ البحتري وأبا نواس وابن الرومي والمعرّي وأبا تمّام والمتنبّي، أو لم يدرس الجاحظ والأخطل وابن قتيبة وابن الأثير وأبا الفرج ودعبلاً والقرآن ونهج البلاغة لا يمكن أن يكون شاعراً ولا كاتباً أبداً.. وإن قرأ مليون رواية وكتاب أجنبي وإن درس خمسين عاماً أساليب الشعر والأدب العربي وإن استوعب كل النظريات وكل المبادئ والعقائد وإن ألمَّ بثقافات العالم وإن تعاطى كثيراً من لغتها وإن مارس الحياة وتمرَّس بها واحترق بتجاربها.. ولكن أن يكون الكاتب له بعض الشيء من هذا، وهو قد قام على ذلك الأساس العربي الراسخ فأمر عظيم وعقبى ذات شأن وعبقرية مضمونة"[2]

كما تضع الدراسة في حسبانها أيضاً أثر شعر المتنبي خاصة في تأسيس شاعريته وإثارة تصوراته النقدية عن "السر الدفين الذي انتهت اليه ووقفت عنده كل تمخضات الفكر الإنساني.. أهي قدرة هذا العملاق الإنسان على هضم ما وصل اليه من كل ذلك واستيعابه إياه ثم قدرته على أن ينسجم معها أولاً ثم مع نفسه فيها.. أيكون السر هو ما يراه الكثيرون من أن المتنبي العظيم كان صاحب قضية فنية.. وثاني الشقين في تساؤلي هذا والذي جهدت كثيراً فلم أجد من الباحثين من يجيبني عنه هو خذا العقد الذهني والاجتماعي الذي تعاقد عليه أبو الطيب مع الزمن: ماضية وحاضره الذي عاشه ثم مستقبله الدائم.. في هذا التأثير الحاد والبليغ لهذه العبقرية الفذة عبر حروفه وكلماته ومجمل قصائده في نفوسنا ومدى نفاذه من خلالها الى كل ما يتصل بواقعنا الفكري والاجتماعي والسياسي والمعاشي، وأكثر من ذلك فالى كل دخائل النفس البشرية عامة والنفس العربية خاصة"[3]

ولكن الدراسة تدرك من جانب آخر خصوصية تجربة الجواهري وغنى روافده الأخرى ثقافيا وسياسيا واجتماعيا والتصاقها الحميم بالواقع واحتضانها للمفاهيم الثورية عن دور الشعر في النهوض بالحياة والالتزام بقضايا الأمة، مما جعل معادلة (التراث والمعاصرة) قائمة بتوازن عجيب في شعره: "وليس التعبير عم حساسية عصر جديد بقيم شعرية موروثة مبدأ ندعو له ولا قانوناً يصدق على كل شاعر لكنه امتياز ينفرد به الجواهري.. شعر الجدّة في قلب الموروث، المفاجأة في إطار المتوقَّع.. فشأنه شأن المتنبي يمثل الأصالة داخل تقاليد سائدة يطوعها لأغراضه فلا تعود قيداً أو سوراً يحجب أضواء الفكر الجديد. ولقد حرص الجواهري على أن تتكافأ في شعره الجدة والعراقة، فكان إقباله على شعر الفحول القدامى إقبال من يقرأ الديوان فيسيل فيه دما وفكراً وروحاً"[4]

ولا يخطئ المتأمل لمحة جامعة أخرى بينهما في تعاملهما الحذر مع خفايا اللعبة السياسية ودهاليز السلطة التي نجحت في إيقاع الشاعر العربي في أحابيلها على مر تاريخنا، فكانت الكثير من الأسماء الكبيرة تتهاوى انقياداً أو رضوخاً قسريا لها، ولكنهما تمردا على هذا المصير مع أنهما خاضا لجج السياسة –كل ضمن مفهوم عصره- وتبنيا مواقفها وأرخا في أشعارهما جوانب مهمة من وقائعها وخالطا أبرز شخصياتها، ولكن ذلك كان يتم من منطلقات حماسية وعاطفية (مع أو ضد) بعيدة عن الحزبية أو ما يقوم مقامها من الانتماءات، وبمنطلقات آنية أحيانا تفرضها ظروف معينة ترشّح نوعاً من حسن الظن بالآخر. أما إذا قادت مجريات الإحداث الى نهايات مخيبة لتلك الظنون فإنهما يسارعان الى حسم المواقف بمبدئية والرحيل بعيداً نحو عذابات الغربة منتصرين لحرية الفكر واستقلالية القرار وشرف الشعر الذي لا يتنكر لتاريخه بما فيه من أخطاء أو عثرات ولكنه يرفض رفضاً مطلقاً التبعية أو القسرية أو التزييف.




وفي سيرة الشاعرين الكثير مما يؤكد هذا النزوع المستقل المشترك بينهما: فإعجاب الممدوحين بشعر المتنبي كان يصاحبه خوف شديد من عنف طموحاته وانفلاته من قيودهم" "ذكروا أن أبا الطيب المتنبي لما ودع أبا الفضل بن العميد ورد كتاب عضد الدولة يستدعيه، فعرّفه ابن العميد فقال المتنبي: مالي وللديلم؟ فقال أبو الفضل بن العميد: عضد الدولة أفضل مني ويصلك بأضعاف ما وصلتك به، فأجاب: بأني ملقى من هؤلاء الملوك أقصد الواحد بعد الأخر، وأملّكهم شيئاً يبقى ببقاء النيّرين ويعطونني عرضاً فانياً ولي ضجرات واختيارات فيعوقونني عن مرادي فأحتاج الى مفارقتهم على أقبح الوجوه. فكاتب ابن العميد عضد الدولة بهذا الحديث فورد الجواب بأنه مملّك مراده في المقام والظعن. فسار المتنبي من أرجان فلما كان على أربعة فراسخ من شيراز استقبله عضد الدولة بأبي عمر الصباغ.. فلما تلاقيا وتسايرا استنشده فقال المتنبي: الناس يتناشدون فاسمعه فأخبر أبو عمر أنه رُسم له ذلك عن المجلس العالي، فبدأ بقصيدته التي فارق مصر بها:

ألا كل ماشية الخيزلى فدا كل ماشية الهيدَبى

ثم دخل البلد فأُنزل داراً مفروشة ورجع أبو عمر الصباغ الى عضد الدولة فأخبره بما جرى وأنشده أبياتاً من كلمته هي:

فلمّا أنخنا ركزنا الرماح بين مكارمنا والعلى

وبتنا نقبل أسيافنا ونمسحها من دماء العِدى

لتعلمَ مصرٌ ومن بالعراقِ ومن بالعواصمِ أنّي الفتى

وأّني وفيتُ وأنّي أبَيتُ وأّني عتوتُ على من عتا

فقال عضد الدولة: هوناً يتهدّدنا المتنبي"[5]

وسُئل الجواهري في إحدى المقابلات معه:

هل أُجبرتَ على الرحيل؟ هل كنتَ ملاحَقاً؟ أكنتَ مهدَّداً بالسجن؟

-لم أُسجَن في حياتي إلا مرة واحدة ولمدة شهر فقط، الأمر الذي أثار ضجّة في البرلمان. لقد أُوقِفتُ شهراً واضطر الحاكم أن يحكم عليّ شهراً فقط، ومع ذلك فقد شتمتُ القضاء في قاعة المحكمة... لقد كانت لديّ حصانةٌ ما، كان الحكام يخافون الناس ويحسبون حساباً لتأثيري عليهم"[6]

1- مدخل الى القصيدتين:

المّ البديعي بالظرف الذي أحاط بولادة مقصورة المتنبي، فذكر:

"وانقطع أبو الطيب.. لا يلقى الأسود (كافوراً).. وعمل على الرحيل وقد أعدّ كل ما يحتاج اليه على مرّ الأيام بلطف ولا يعلم به أحد من غلمانه وهو يظهر الرغبة في المقام وطال عليه التحفظ فخرج ودفن الرماح في الرمل وحمل الماء على الإبل لعشر ليالٍ وتزود بعشرين.. وفي يوم العيد سار من مصر هارباً وأخفى طريقه فلم يؤخذ له أثر حتى قال بعض البادية: هبه سار فهل محا أثره؟ وقال بعض المصريين إنما عمل طريقاً تحت الأرض وتبعته البادية والحاضرة من سائر الجوانب وبذل كافور في طلبه ذخائر الرغائب وكتب الى عماله في سائر أعماله.. في طلبه.. وسار أبو الطيب حتى وصل الكوفة في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة ونظم المقصورة"[7]

وقدم محققو ديوان الجواهري أيضا بعض المعلومات المهمة عن هذه القصيدة "المقصورة من مختارات قصائد الشاعر وقد نظمها في أواسط عام 1947 ونشر قطعاً منها في أمهات الصحف العراقية.. ومن المؤسف أن يكون جزء كبير منها يزيد على مائة بيت قد أطارته الريح وألقته في دجلة في أثناء انشغال الشاعر بتنقيحه خلال صيف عام 1947 حيث كان يسكن داراً مطلة على النهر، وأن يكون جزء منها يؤلف حوالي 50 بيتاً منها قد فُقِدت جذوره الأساسية التي يعتمدها الشاعر ساعة تدوين خواطره فيما فقد من أوراقه الخاصة في أثناء انتقال جريدته الجهاد خلال عام 1952 وعلى هذا تكون مقصورة الجواهري مشتملة في الأصل على ما يقارب أربع مائة بيت من الشعر"[8]

والسؤال هنا: ماذا يستفيد الباحث من هذه البيانات عن ما حول القصيدة؟

الحق انها تقدم إضاءات مهمة لما في داخل القصيدتين من اختلافات كما سنرى لاحقاً.

أما مقصورة المتنبي فمن نمط قصائد التجربة الواحدة المشدودة كل تفاصيلها ومقاطعها عضويا ونفسياً وموضوعيا للتجربة المحورية، التجربة العصيبة التي تمخضت عنها دفعة واحدة.

بينما تتوزع مقصورة الجواهري على حالات متعددة وقد نظمت منجّمة على مراحل زمنية أو دفعات مما افقدها الوحدة المركزية الرابطة ووسمها بطابع التراكم مما أتاح للقصيدة أن تنشر بالرغم من ضياع نصفها تقريبا للملابسات المذكورة، فالمنشور من القصيدة (237) بيتاً بينما أصل القصيدة كما ذكر (400) بيت، بمعنى ان المفقود لم يخل بالبناء العام والكيان الكلي للقصيدة وهذه الخاصية لا يتوفر عليها في العادة إلا هذا النمط من القصائد ذات البنية التراكمية إذا صح التعبير.



2- المنطلقات:

انبثقت المقصورتان من لحظة انفعالية محتدمة في مواجهة مباشر استغرقت جو القصيدتين المشحون من البداية حتى النهاية وإن تفاوت باعث هذه المواجهة واتجاهها وتأثيرها بين القصيدتين. في مقصورة المتنبي انصبّت المواجهة على جبهة خارجية تحدى فيها الشاعر سلطة كافور الذي استدرجه وحاول تركيعه[9]، تحداه وحيداً كما ظل دائماً وحيداً في صراعه، فأزمة المتنبي هي أزمة الوعي الفردي اليقظ الثائر على مواضعات مجتمعه وعصره، مما يلقي الضوء على ظاهرتين متلازمتين في هذه القصيدة –وفي مجمل شعره- تقومان معاً مقام السبب والنتيجة أو الفعل ورد الفعل:

الأولى: إحساسه بجسامة المهمة الملقاة على عاتقه، وما يتهدده فيها من مخاطر صدق حدسه فيها، إذ انتهت به الى القتل لاحقاً كما هو معروف.

والثانية: صوته المتضخم الهادر المعبر عن نفسه بتنويعات ضمير المتكلم المختلفة في اللغة (أنا، تاء المتكلم، ياء المتكلم، نحن) وبالنعت الذي يقع في ذروة سلم القيم في شعره (الفتى) مقترنا بألف الاستغراق الدالة على كامل الفتوة، وقد نسبها هنا لنفسه بينما كان قد أطلقها من قبل على آخرين خيبوا ظنونه وأطاحوا بأحلامه، فقرر أحقيّته بها تأكيداً لهذه الفردية المتضخمة:

لتعلمَ مصر ومن بالعراق ومن بالعواصمِ أني الفتى

وأني وفيتُ وأني أبيتُ وأني عتوت على من عتا

وما كل من قال قولاً وفي ولا كل من سيمَ خسفاً أبى

وَمَن يَكُ قَلبٌ كَقَلبي لَهُ يَشُقُّ إِلى العِزِّ قَلبَ التَوى

وَلا بُدَّ لِلقَلبِ مِن آلَةٍ وَرَأيٍ يُصَدِّعُ صُمَّ الصَفا

وَكُلُّ طَريقٍ أَتاهُ الفَتى عَلى قَدَرِ الرِجلِ فيهِ الخُطى

بينما تحركت مقصورة الجواهري على جبهة أخرى في المواجهة، تجابه فيها الذات صراعا مزدوجاً: خارجياً ضد الآخر الذي ما زال يمارس دوره القمعي، وصراعاً ثانياً ضد تحديات داخلية من نوع آخر- كما سنفصل لاحقاً.

ولكن صوت الجواهري لا يظهر في خضم ذلك وحيداً، إنه وقد تبنى النزوع الثوري يتداخل بصوت الجموع التي يستلهم منها روح الشعر ولأجلها يناضل بالشعر أيضاً. وتقدم قصيدته تلوينات شعرية بارعة لهذا التضافر بل التعاضد بين الصوتين:

وتلتفُّ حولكَ شتى النفوس تجيشُ بشتّى ضروبِ الأسى

وتُعرِب عنها بما لا تبينُ كأنك من كل نفسٍ حشى

فأنتَ مع الصبحِ شدوُ الرّعاة وحلم العذارى إذا الليلُ جا

وأنت إذا الخطب ألقى الجِران وحطّ بكلكلهِ فارتمى

ألحتَ بشعركَ للبائسين بداجي الخطوبِ بريقَ المنى

تروح على مثلِ شوكِ القتاد وتغدو على مثلِ جمرِ الغضى

وتكوي الضلوعَ على نافذٍ من الصبرِ يُدمي كحزّ المُدى

إن القصيدتين تقدمان لنا ضربين من البطولة: البطولة التي تحركها منطلقات شخصية واستراتيجيات خاصة، والبطولة التي تتحرك على خلفية جماهيرية عريضة، وقد قيل للجواهري يوماً:

"-أنت جزء من تاريخ العراق الحديث..

-أنا في الصميم.

-ماذا ترك عندك الذي عايشته وعايشك؟

-... لقد ربطني بالناس ولم أستطع أن انفكّ عنهم.

-أتشعر بحاجتك لهم؟ .. ماذا يمنحوك؟

-خير ما عندي.. القدرة على النطق، على التعبير، وهذا ليس بقليل.

-أين أنت يا سارتر؟ الآخرون ليسوا بجحيم"[10]

وكان لا بد أن تترك هذه الرؤى بصماتها على لغة القصيدة فقد امتلكت ألفاظ الجمع حضوراً بارزاً في قصيدة الجواهري وبما يزيد على (225) لفظة منها:

(أنوف، كرام، القلوب، الدّنى، النفوس، الرعاة، العذارى، البائسون، الخطوب، المُنى، الضلوع، المُدى، الأخبثون، الخطى، ناس، قادة، الأرذلون، المغريات، قبّ الصدور، بيض الطُلى، قباح الوجوه، صبية، الصخور، النجوم..الخ)

بينما لا تزيد قصيدة المتنبي على (34) لفظة منها:

(حبال، العداة، الجياد، بيض السيوف، سمر القنا، العالمين، مستقبلات، الرماح، المكارم، المضحكات، الرقى، قوم، أصنام...الخ) .

مع ملاحظة استبعادنا لبعض ألفاظ الجمع في هذه المقصورة لأنها وردت مواضع أسماء هنا وليست جموعاً حقيقية :

(النخل، وادي المياه، وادي القرى، الكفاف، الوهاد، الأضارع، وادي الغضا، العواصم(موقع قرب إنطاكية)

3- دلالات الرحلة (المكان+الزمان)

في مقصورة المتنبي حضور واضح للمكان ،شغل خمسة عشر بيتاً من أصل القصيدة البالغ في إحدى الروايات خمسة وثلاثين (35) بيتا[11]،أي بما يقرب من نصف القصيدة (42%)، وبتتبع جغرافي دقيق لمواقع حقيقية مرّ بها في هروبه من مصر حتى وصوله الكوفة[12]:

(بجاوة، التيه[13]،النخل، النقاب، وادي المياه، وادي القرى، العراق، تريان، حسمى، الكفاف، الوهاد، جار البويرة، وادي الغضى، بسيطة، عقدة الجوف، ماء الجواري، صور، الشغور، الجميعي، الأضارع، الدنا، أعكش، الرهيمة، مصر، العواصم).

أما في مقصورة الجواهري فثمة حضور واحتفاء خاص بأمكنة الوطن (العراق) في رحلة داخلية تستعرض تفصيلاته ويشوق كشف عن بعض أسبابه في قوله:

سلامٌ على بــلدٍ صنتُه وإياي مـن جفوةٍ أو قِلى

كلانا يكابــدُ مرّ الفراقِ على كَبـدينا ولذعَ النوى

وكلّ يغذُّ إلــــى طيّة لنا عند غايــاتها ملتقى

وذا كان الوصف المكاني في قصيدة المتنبي إجماليا مختزل القسمات مجردا من المحمول العاطفي وربما عزونا الأمر إلى الظرف الموضوعي الذي مر به الشاعر فشغله التوتر والتوجس عما حوله على نحو ما صرح في قوله :

فمرّت بنخلٍ وفي ركبها عن العالمينَ وعنه غنى

ولعل الإشارة الوحيدة المنفلتة من هذه الحيادية في التعامل مع المكان ما جاء في البيتين الأخيرين من المقطع وقد اشتملا على صورة خاطفة لمكان أطبقت عليه عتمة الليل كليّة فعمّت على ما فيه من معالم، وهي صورة متّسقة نفسياً مع حالة الشاعر في تلك اللحظة:

فيا لك ليلاً على أعكش احمّ البلاد خفيّ الصّوى

وردنا الرّهيمة في جوزه

وباقية أكثر مما مضى

لقد ظلّ المكان في هذه القصيدة –وفي قصائد أخرى له[14]- وسيلة لم تفجر جوا عاطفيا إيجابيا متفتحا داخل القصيدة،بالرغم من انه سُئل بعد القصيدة عن أحد المواضع التي جرى ذكره فيها (حسمى)فأجاب:

(لو رأيت جسمى لرأيت أطيب بلاد الله)[15] ،ولكن هذا التعاطف غير موجود فعليا داخل القصيدة ، أقول :إذا كان المكان في مقصورة المتنبي كما تقدم ،فإنه حقق حضورا أكثر زخما وامتلاءً من مقصورة الجواهري في أداء نفسي هادئ ومسترخٍ عبّرت عنه بوضوح اللازمة الاستهلالية المتكررة في المقطع (سلام) التي خففت من الإيقاع الانفعالي المتصاعد في أول القصيدة ،الأمر الذي يجعلنا في الحقيقة نميز في مقصورة الجواهري حركتين مختلفتين موضوعيا ونفسياً:

الأولى:الحركة المحتدمة في القسم الأول من القصيدة المتمثل في مقطع المواجهة كما تقدم.

الثانية: الحركة المنسابة في المقطع الوصفي في القسم الثاني إذ تفيض النفس بمكنوناتها على مشاهد الطبيعة الأخاذة من حولها :

سلامٌ على هضبات العراق

وشطّيهِ والجرفِ والمنحنى

على النخل ذي السعفات الطوال

على سيــــد الشجر المقتنى

ودجلة تمشي علــــى هونها

وتمشي رخـــاء عليها الصبا

سلامٌ علـــــى قمر فوقها

عليها هفــــــا واليها رنا

تدغــــدغُ أضواؤه صدرها

وتمسح طيـــــّـاتها والثنى

سلامٌ علــــى جاعلات النقيق

على الشاطئين بريــــد الهوى

سلامٌ علـــى عاطرات الحقول

تناثر من حولهنّ القـــــرى

وبمتابعة تصويرية لا تكتفي برصد لقطة واحدة للموصوف،لكنها تقدم صوراً أخرى له من زوايا مختلفة وهو ما يفسر توازن بعض الجمل من الأبيات وبتشكيلات ثنائية مماثلة أو تضاداً :(إذ يتجلى /إذ يجتنى) (ثوباً تهرّى/ ثوباً نضا) ( أدنى/أدلى)...الخ،زد على ذلك أفعال التصويت الموظفة ضمن لقطات ترصد دبيب الحياة المستتر خلف سكون وبمضاعفة الصوت مرة بعد أخرى ،فالحمام يجدّ هديله، والكلب يرجّع عواءه، والديك يؤذّن، والبوم يزقو، والسحيل يثغو، والقطار يدوّي، ونقيق الضفادع مازال كالرسائل المتبادلة بين العاشقات ...الخ.

ومما كان له أثر أيضا في تدفق حركة الوصف في هذا القسم عطف الجُمل على بعضها والتتابع الملحوظ للأفعال المضارعة وبما يجسد استمرار هذه التجربة في وجدان الشاعر:

(يُجتنى،ترفّ،تبرى،تمسي،تخوّض،تريك، يسرف، تدغدغ، تمسح، تجتلي، تغور، يتيح، يعتدي،لا تشتكي، تنقل، تظافر، تندس، يؤذن، يسبح، تلوذ،تصور،...الخ)

بينما تسيّدت الأفعال الماضية أبيات الرحلة في قصيدة المتنبي ضمن نسق إخباري استذكاري لتجربة وقعت وانتهت في وعي الشاعر ،وهكذا نقرأ:

(ضربت، فزعت، مرت، أمت، قلنا، قالت، هيّت، جابت، شَفَت، لاح، مسّى، غادي، وردنا، أنخنا، ركزنا، بتنا).

من جانب آخر تنتظم مقصورة المتنبي وهي تسرد وقائع تجربة محورية داخل إطار زمني عام يتوزع على عدد من المسارات الداخلية كما يلي:

1-الحركة الافتتاحية في الأبيات الثلاثة الأُول المنفتحة على (الحاضر) بعد أن نجا الشاعر من المغامرة، وستبدأ منه العودة إلى الوراء (الماضي) لاسترجاع ما حدث.

2- فتبدأ الحركة الثانية التي تلاحق الوقائع بدقة عالية في التحديد المكاني –كما تقدم-والتحديد الزماني أيضا، وهو ما يفسر هيمنة الأفعال الماضية التي تتوزع بدورها على تحديدات زمنية فرعية أخرى داخل هذا النسق الماضوي:

إذا فَزِعَت قَدَّمَتها الجِيادُ

وَبيضُ السُيوفِ وَسُمرُ القَنا

فَمَرَّت بِنَخلٍ وَفي رَكبِها

عَنِ العالَمينَ وَعَنهُ غِنى

وَأَمسَت تُخَيِّرُنا بِالنِقابِ

وادي المِياهِ وَوادي القُرى

وَقُلنا لَها أَينَ أَرضُ العِراقِ

فَقالَت وَنَحنُ بِتُربان:َ ها

وَهَبَّت بِحِسمى هُبوبَ الدَبورِ

مُستَقبِلاتٍ مَهَبَّ الصَبا

رَوامي الكِفافِ وَكِبدِ الوِهادِ

وَجارِ البُوَيرَةِ وادِ الغَضى

وَجابَت بُسَيطَةَ جَوبَ الرِداءِ

بَينَ النَعامِ وَبَينَ المَها

إِلى عُقدَةِ الجَوفِ حَتّى شَفَت

بِماءِ الجُراوِيِّ بَعضَ الصَدى

وَلاحَ لَها صَوَرٌ وَالصَباحَ

وَلاحَ الشَغورُ لَها وَالضُحى

وَمَسّى الجُمَيعِيَّ دِئداؤُها

وَغادى الأَضارِعَ ثُمَّ الدَنا

فَيا لَكَ لَيلاً عَلى أَعكُشٍ

أَحَمَّ البِلادِ خَفِيَّ الصُوى

وَرَدنا الرُهَيمَةَ في جَوزِهِ

وَباقيهِ أَكثَرُ مِمّا مَضى

حتى الحرف (ها) الذي ورد في قوله:

وَقُلنا لَها أَينَ أَرضُ العِراقِ فَقالَت وَنَحنُ بِتُربان:َ ها

فبالرغم من تركيز الشرّاح على دلالته المكانية فإننا لا نخطئ الدلالة الزمانية المتضّمنة فيه أيضا التي تؤذن بقرب الوصول ،قال ابن جني :(وها حرف إشارة وأراد ها هي ذي ولكنه حذف الجملة وترك الحرف الذي من عادته ان يكون في صدرها)[16]، وزاد ابن المستوفي:(تقرّب ذلك علينا لثقتها بسرعتها)[17]

3-ثم يحدث توقف وقطع في الاسترجاع في مقطع الفخر ، في انعطافة جديدة إلى (الحاضر) بعد أن اجتاز الشاعر المهمة بنجاح، وكان من المتوقع أن تنتهي القصيدة عند هذا الحد لولا أوجاع ما زالت تحزّ في نفس الشاعر وتلح عليه لاستذكارها .

4-وهكذا تستأنف القصيدة من جديد حركة استرجاع الماضي ليس لرحلة الهرب بل لفصول معاناته وأحزانه في مصر.

5-ثم تنفتح القصيدة في خاتمتها الحكمية على أفق مترامٍ زماناً ومكاناً.

لقد بدأت المعالجة الزمنية في مقصورة المتنبي من (الحاضر) ثم انعطفت إلى (الماضي) لتعانق في النهاية (المستقبل).

أما مقصورة الجواهري فلم تتوفر على حركة زمنية منتظمة أو متنامية، وإن كانت لا تعدم إشارات بل شذرات زمنية متفرقة هنا أو هناك داخل القصيدة، ولذلك يمكنك تقديم الأبيات أو تأخيرها غالباً من دون أن يضر ذلك ببنية القصيدة مما انعكس على بنيتها الزمنية أيضاً التي لم ينتظمها تراتب ما على مستوى القصيدة ككل وإنما انحصر الأمر داخل بعض الأبيات المتفرقة:

(تروح/تغدو)،(الصباح/الليل)(مضى/سيمضي)(أتى /سيأتي)(النهايات/البدى)...الخ، ومن اللافت للنظر حقاً أن القصيدة لا تنفتح بالزمن على امتدادات رحبة مترامية الأطراف إلا في موضعين بمثابة امتياز ينفردان به، وبإشارة خفية مكتنزة:

الأول: في ديمومة دورة الحياة في الطبيعة، وهذا معروف.

ثانيا: في ديمومة دورة شعره في هذه الحياة حياً خالداً في ضمير الإنسانية:

واشهد انــــك مذخورة

لأبعد ما في المدى من مدى

وأنكِ سوف تدوّي العصور

بما تتركين بها من صدى

4- وجوه أخرى:

الخ. انتباه الدارس للقصيدتين النزعة الهجائية اللاذعة والساخرة التي كانت عاملاً آخر أسهم في شحن جو القصيدتين، إذ تلتبس القيم بأضدادها في مقصورة المتنبي وتحرّف المعاني إلى غير وجهها، مما يصعّد من أبعاد المفارقة والفجيعة معاً فيها، وخاصة حين تتبادل الشخصيات والقيم أدوارها تبادلاً ينذر بانهيار كامل المقاييس والثوابت:فيغدو الضحك كالبكاء، وقبح الكركدن كرهافة القمر، والمستيقظ كالنائم للغفلة، والخويدم[18] هو السيد، والعقول في الخصى وليس في الرؤوس، والشِعر كالرقى، والمدح كالذمّ، والحقيقة كالوهم ....الخ .

ونام الخويدم عن ليلنا

وقد نام قبلُ عمىً لا كرى

وكان على قربِنا بيننا

مهامهُ من جهلهِ والعمى


[1] مجلة الآداب، العدد الثاني عشر، بيروت، 1987، ص6.

[2] نقلاً عن: لغة الشعر بين جيلين، د. إبراهيم السامرائي، ص 121.

[3] المتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس (وقائع مهرجان المتنبي الذي أقامته وزارة الثقافة والفنون العراقية في بغداد 1977، ص 27 و 28.

[4] مرايا جديدة، عبد الجبار عباس، ص 19 و 20.

[5] النظام في شرح المتنبي وأبي تمّام، ابن المستوفي, 1/46 ، 47.

[6] مجلة الآداب، العدد السابق، أجرى الحوار معه حميدة نعنع: ص7.

[7] الصبح المنبي عن حيثية المتنبي، يوسف البديعي، ص 124-127.

[8] ديوان الجواهري، جمعه وحققه د. إبراهيم السامرائي وآخرون، ج3، ص 201.

[9] ينظر: الفسر، أبو الفتح عثمان بن جني: 1/120، 121. فقد ذكر ابن جني "وكنت بمصر وبها أبو الطيب.. فوقفت من أمره على شفا الهلاك، ودعتني نفسي لحب أهل الأدب الى استحثاثه على الخروج فخشيت على نفسي إن نمي ذلك عني وكان هو مستعداً للهرب وإنما بات بأظافير الموت من قرب"

[10] مجلة الآداب، العدد السابق: ص6.

[11]تنظر القصيدة في :شرح الفسر:1/121/138

[12]جاء في كلام أحد محققي كتاب (الصبح المنبي) :هامش(1)ص128:(المتنبي في فراره من مصر لم يقصد إلى الكوفة مباشرة بل عرج على الحجاز وسار فيه إلي أن قارب مدينة الرسول ولكنه لم يدخلها وما زال يتنقل في مضارب الأعراب مدة لا تقل عن أربعة أشهر حتى إذا أحسّ أن عيون كافور وأرصاده قد انصرفت عن تتبعه خرج إلى الشام ثم إلى الكوفة)

[13]فسر ابن جني لفظة(التيه)على إنها :(الأرض التي يضاع فيها ليعدها) وقد عقّب الوحيد الأزديّ على هذا التفسير بالقول (التيه هنا يعني به تيه بني إسرائيل فإنه ركبه للسماوة وتولى منها إلي العراق ،التيه اسم لهذه الأرض تعرف به) (الفسر:1/125-126)

[14]حدثت فيما بعد انعطافة مهمة في احتفائه بالمكان وفي طريقة توضيفه له في شعره وعلى نحو ما ستتجلى في نونيته المشهورة ذات المقدمة المكانية الوصفية الطويلة نسبياً:

مغاني الشعب طيبا في المغاني

بمنزلة الربيع من الزمان

ولكن الفتى العربي فيها

غريب الوجه واليد واللسان

يقول شعب بوّان حصاني

أعن هذا يصار الى الطعان

أبوكم آدم سنّ المعاصي

وعلّمكم مفارقة الجنان

[15]النظام :1/458

[16]الفسر 1/130

[17]النظام 1/457

[18]للمعري تعليق طريف على لفظة الخويدم هنا: ( جرت العادة بأن يسموا الخصي خادما وذلك شيء مصطلح عليه وكل من خدم لهو مستحق لهذا الاسم من فحل وخصي ولكنهم لما رأوا الخصي ناقصا عن رتبة الفحل قصروه على هذا الاسم لأنه لا يصلح لغير الخدمة)(النظام 1/469)