الأحد، 23 مايو، 2010

مزامير راكوم الدهماء والكشف عن مهمة القصيدة

د.إبراهيم علي شكر

يمكن القول أن مزامير راكوم الدهماء وقصائد أخرى المجموعة الشعرية الجديدة للدكتور ماجد الحيدر كشفت عن مهمتها الى المتلقي تلك المهمة التي لم تكن محددة على الرغم من ان شاعرها اطلق لفظ التحديد بمزامير راكوم الدهماء التي اعلنت عن ذلك البعد الممتد بين افق السماء ونهايات اليابسة المحاطة بالمحيطات والبحار والخلجان فضلاً عن سعة الافق غير المدرك بالحواس الا الافق الذي شكلته مسؤولية الشاعر بحدوده المطلقة ذهناً (( كن عظيماً وارفُض الصِغَر )).
والمد الشعري مستمد من الدفتر الذي ترجم مسيرة القافلة التي لا ترى شيئاً سوى الجهة التي انطلقت من اجلها. ولعل المتلقي يوسع الخطى ولا "يجفو الذميل" الذي جفاه من أتعبته مزامير راكوم. ومن بين المفردات نستمد همساً أدركه راكوم قبل متلقيه، ألا وهو السعي والجهد والتعب؛ فخداع النفس لم يكن من الدلالات المقصودة حتما، إنما أراد النقيض لأن راكوم ومريديه استوعبوا النغم وأحاطوا بمداليله التي سمّاها ماجد الحيدر قبل راكوم بتفعيلات المُهدى اليه : مستفعلن فاعلن. فالمزمار والجد والأمل معايير لم يدركها "البخيل" المرفوض زمنا وكوناً. ولعل العنوان الذي حملته مجموعة ماجد الحيدر تؤكد ما ذهبنا اليه، ونستطيع أن نطلق عليه لفظة "الحسجة"، لذلك بدأ ماجد الحيدر بالقصائد الأخرى وترك المزامير تحمل هم راكوم. فراكوم حمل عبء نفسه وحمل عبء أصحابه، عبء العراق وعبء قومه وعبء الانسانية جمعاء. وامرؤ القيس الذي أضناه السفر ما عاد مهما بنفسه لأنه حمل بذاكرته ويلات المتعبين وأشلاء الفقراء الذين راحت "فاطم" تضمد جراحهم متمنية ألا يكون سوى الوصول، على الرغم من طول الدرب. فالطريق طويلة، والوصول هو الغاية وعسى ألا يخيب أمل "فاطمة"؛ لأن الاستفهام الذي حمله مَن في القصيدة الأخرى بعثر المستحيل حينما استفهم الحيدر : "من يرمي حجراً؟" .. "من يقتل من يشبهه؟".
والجمع السامع معروف، كلٌ يعرف ظله ويعرف خلّه، وما بين الظل والخل يكمن الحياء، وإن سقط الظل والخل عندئذٍ يتكشف المحذور فيصرخ الشاعر "عريان لا أخشى عريي" وتتحقق الرؤيا ويعود "الاستنساخ" بأسوأ مما يعتقد؛ لأن العرّاف أخبر صاحبه الذي لا يعرف إلا أربعة : "سكيرا، وعجوزا عمياء، وكلبا ضيعه سيده المجنون، والكأس". ومن تلك الدلائل يستمد ماجد الحيدر مناه: ذلكم هو "الكتاب" الذي لم يعد في عالم الحيدر معروفاً لأنه يبحث عمن يقرأ الكتاب بوصفه صاحب الحيدر، لأن الحياة في الكتاب وفيه "تاريخ الأجداد"، ويجعل "الصحراء الشرقية" جناناً ويحيل النفس الأبية الى سماء العرافين يستجدون الماء. وكتاب الحيدر وحده يحيط بصاحبة "الصائغ" التي انتظرته عند تخوم البحر رديفاً للحيدر الذي لازم الكتاب واعتقد المحيط أنه في "محجره الأبدي" يمارس "طقوس إقليدس" عندئذ يُعرف في "الأزرق" الذي ما زالت زرقته توّاقة للبشر بين "عين" ماجد الحيدر و"الأسيجة" التي لم تستطع أن تمنع المعرفة، لأن "سيدة القلب" لم تتوجس خيفة، إنما أدركت المطلوب وراحت تهدهد لمن ملأه الوجل المستنفر عرياناً، لأن "رنين الهاتف" صار دليلا للبعد الآخر والوجه الآخر. فالحياة عادت من جديد تستمتع بصاحبها المملوء دفئاً وحناناً، رقة وحباً. والساعة تدور وتدور وعلامات العمر باتت بطيّ حكاية "الرجل المضطجع نصف سني العمر" مندهشاً مما حوله/ أحلاما، "يحكم إغلاق البيبان"، والدمع عصي، واللذة بين الناس إلا إياه ما وما وما، ومن يعرفه يدرك عمق التأريخ وسنيّ "عدنان" ماجد الحيدر الذي لازمه حتى وافاه الأجل، وظل ماجد الحيدر منتقلاً بين الحلم واليقظة، يقرأ "وصاياه" وبعض "المنجيات" من الآي الكريم لتعيد الطمأنينة اليه حتى يلفه الصمت ليسترجع عشرين عاما مضت، معتقدا أنه سيخرج مما أحاط به من جشع الحاضر وزيف المبصرين، علّه يجد مما مرت به عربة السنين وهو يستمع الى الأنغام التي ألفتها الآذان واستقطبت أذواق المتلقين. بيد أنه انتبه صارخاً "هكذا لن تستقيم الأغنية". كل شيء بات مألوفاً ليعيد "كل سطرٍ، كل حرفٍ من جديد" لكي لا يكون شاذا كما بينته قصيدة "شذوذ" في الصفحة الثانية والعشرين :
لا أعرف ألوان التمر / ولا أدعيةً للاسترزاق / ولا ولا ولا .. "
لكنه "يبكي حين يسمع فيروز" التي تذكره بصاحبه الذي ترك كرسيه ورحل الى عالم الخلد، وترك الحيدر يسافر وحده يسأل عن وعن وعن. ولن يجد جواباً للسؤال بوصفه ظل دون ردٍ، مستعينا بمدينة "تثائب صيفها على الأرصفة"، وأيامها برتابتها "تدور كالناعور" منادية :-
"لا تسقني ماء الغرام فإنني كفنت قلبي واشتريت حياتي
فالأمر بقي مع الراوي الحالم بروايته التي علقها على "عجوز حسنة الهيئة" نادتها إحدى جواريها "أم عمرو". ليت عمروا أدرك الآتي الذي لاح "لابن أبي صيدا" الذي طواه الجوع وانهكته السنين العجاف، لا "ينتظر المصير" ولا يستسلم للسياف المثلم سيفه، ولم ترهبه "بادية السماوة" لأنه لا يعرف إلا الشعر. وليس غريباً ذلك كله؛ فالممتد بين ابن الفراتين وابن أبي صيدا حبل سري يعرف نفسه، يردد للجميع:
رحت في حرف تزخرفه أنت عن شيء سواه غبي
"خذ أوراقا ويراعا" وخذ ما شئت. "أغلق كل الأبواب". يهدهد نفسه؛ والمعروف لا يعرف؛ فـ "الإبهام" دليل بالبصمة. مهما استسخت "لا تعمد للابهام". فـ"سلخ الجلد" لن يعيق "الدرس" الذي انتهى بـ"الوصية" :
"أغمضوا عينيّ وارموني الى أول حفرة"
فالحفرة لا شك في وادي الشعر والفكر. فالغربة ما عادت يستهويها أحد ممن حددهم ماجد الحيدر، فالقراءة هي الغربة، لذلك ارتضى لنفسه أن يسمع قسما من مزامير راكوم الدهماء التي أدركها محبو ماجد الحيدر. فالقداس الذي "كشف عن المدن الأثرية" في "الأناشيد الدهمائية" التي عزفها صاحبها وحملها راويها سالكة الدرب حاملا عبء العراق وأصحاب الدهماء باثنين وعشرين مزمورا.
وهكذا يستمتع المتلقي بمجموعة ماجد الحيدر "راكوم الدهماء وقصائد أخرى" ولا يجد سوى النغم الشجي واللغة السمحة والصورة الواضحة على الرغم من أنها توحي بتراكم الأطر وتزاحم الرؤية. بيد أن القراءة الثانية والثالثة للمجموعة تفضي الى وضح الأفكار وسلاسة التراكيب وتمكن صاحبها لغة ونحوا وديباجة. ونتمنى للحيدر وعليه الاستمرار، لا يبالي، فوحشة الدرب وطول الطريق والأرق عقبات تخطاها ماجد الحيدر ، وأصحابه ينتظرون المزيد، ولا شك في أنه ملبٍ للنداء… وأهل مكة أدرى بشعابها.

د. ابراهيم علي شكر

ليست هناك تعليقات: