الثلاثاء، 28 ديسمبر، 2010

موت مجاني

موت مجاني
مهند الشهرباني

كان الأمر ليكون اكثر احتمالاً لو أن لحظة الانفجار أعطته الفرصة لترتيب أموره المؤجلة منذ دهور ولكن كما هي عادة الحروب دوما فهي لا تدع مجالا حتى لاستكشاف الفرح .
جسده الممدد دون روح يستشعر حرارة ولزوجة دمه المنساب تحته وتعرجات الأرض والحصى الناعم يجعل تمدده مزعجا . فكر في زوجته التي صدعت ضميره بطلبها الصامت في الحصول على غسالة كهربائية لكن جيبه كان غير مستعد لهذه المؤامرة أما ابنته فقد كانت اكثر إيجابية من أمها في مطالبتها بالكومبيوتر لغرض دراستها الجامعية لأنها دخلت في مشروع سلفة مع نساء المنطقة ولم يبق على استلامها إياها إلا شهران ( ترى كيف ستسدد باقي الأقساط بعد موته ) . ولده الأوسط استشاط غضبا مرات عديدة من اجل الدراجة الهوائية التي كانت ستساعده حسب رأيه في تنقله إلى المدرسة والى السوق ،ابنته الصغيرة تريد أن تدخل في الدروس الخصوصية مثل زميلاتها لان بكالوريا الابتدائية صعبة في هذه السنة .أراد أن يعدل من استلقائه لكن جسده لم يطاوعه ( متى سيرفعوه ؟ ) تعود ان يدفع ثمن الكثير من الأشياء التي لا تخصه والآن ها هو يدفع ربما للمرة الأخيرة هذا الثمن ( ربما هي ليست المرة الأخيرة إذا لم نهمل مصير الزوجة والأطفال). كان الجو من حوله محملا بالموت حتى أدق ذراته لكن هذا الأمر لم يشغله بل أغضبه ان الطرفان الذان أشعلا هذه الحرب بعيدان عن الخطر تماما كأنهما يلعبان لعبة كومبيوتر .لقد قرأ تاريخ الملوك والفاتحين فوجدهم دائما في قلب الخطر يسبقون جنودهم ليس للفخار والاقتداء ولكن لأنهم كانوا يعرفون إمكاناتهم ويعلمون ان البطولة ليست إعلاما ( ربما لان الإعلام لم يكن موجودا حينها ) وأيضا لان نرجيستهم تؤمن لهم الحياة وطول العمر ولا بد أن الله يمد لهم في طغيانهم يعمهون ولكنه ينسى مصير الملايين التي تذهب حياتهم سدى في هذا المد للطغيان . ها قد مضت اكثر من مئة ساعة ( لا بد انه جن فكيف تمضي مئة ساعة والناس حوله لا تكف عن الحركة والهيجان ربما يكون الوقت نسبيا في هذه الأحداث ) أو ربما اكثر او اقل المهم إنني تعبت من هذه الرقدة ..لا بد انهم لم يروني بعد فانهم مشغولون في تفحص صاحب السيارة المفخخة الذي صار فحما ولا بد ان روح صاحب السيارة تستكشف الآن المكان لتعرف حجم الدمار الذي لحق بالمنطقة هذا اذا كان لديه روح أصلا (ترى هل هو فرح الآن ؟ واذا كان فرحا فهل بالشهادة التي اوهموه بها ام بعدد القتلى الذين انا منهم؟ وهل سيخبره الله ماذا تركتُ بعدي واية كارثة خلفّها فهمه الناقص لحق الحياة ؟ ) .
استغرب مجرى الافكار التي تراوده في مثل هذه اللحظات ولكنه استغرب اكثر لعدم شعوره بالالم رغم جراحه الكثيرة التي يحس بها من مجرى الدم

ليست هناك تعليقات: