السبت، 22 مايو، 2010

ما قيل عن فراسة المارشال

قصة قصيرة

حيدر الحيدر




كان الخبر الذي أشيع في المدينة قد توسع وانتشر ورددت اصداءه القرى المحيطة بها، حتى اصبح في حكم الحقائق المؤكدة لدى معظم الناس. وهو: ان المارشال يمتاز بفراسة غريبة لا مثيل لها عند أي من البشر فهو يستطيع التعرف على مناوئيه بمجرد نظرة بسيطة من وراء نظارته السوداء وقيل: انه يستطيع قراءة أفكار الآخرين على بعد مئات الاميال، وقيل: انه يرى صوراً لوجوه أعدائه في لحظات تأملاته الخاصة فيسهل التعرف عليهم فيما بعد، وقيل ايضاً: انه محاط بعدد من العرافين الكبار يقرأون له الطالع كل صباح ومساء وقيل.. وقيل الكثير عن المارشال حتى تضخمت شخصيته واحيطت بها هالة من علامات التعجب.

وصار الناس يهابون بطشه وفتكه فانفرد في استبداده المطلق.

كنت واحدا من بين مئات الافراد الذين اكتظت بهم سجون المارشال ودهاليزه المظلمة وإنفاقه الرطبة التي تزرع اليأس في النفوس، وتدس إليها الموت ببطء. كانت تلك الامكنة لا تميز بين الناس من الاطفال والشباب والشيوخ، فقد توزعوا بمكرمة من المارشال في زواياها بتهمة او بدونها. يوم ألقوا بي هناك كنت متردداً في تعاطفي مع الثوار الذين يخططون للاطاحة بالمارشال، وكانت تساورني الشكوك في مقدرتهم على تحقيق الانتصار، وان بذور الامل التي ينثرونها قد لا تثمر ابداً.

هكذا كان شعوري ورغم ذلك فقد اعتقلوني بمجرد الشك في عدم ولائي لسلطة المارشال.

ذات يوم لم نك لنميز فيه بين الليل والنهار وكيف لنا ان نعرف ذلك في قاع تلك الظلمة الدامسة، دخل السجانون علينا بهراواتهم الغليظة، واقتادونا ضربا وركلا وعتلا الى الساحة الكبرى لحامية البلدة، ووزعونا على شكل طوابير في صفوف طويلة، بعد ان كبلوا أيادينا الى الخلف واحكموها بوثاق من حديد.

واخبرونا بواسطة مكبرات الصوت ان المارشال سيصل بعد بزوغ الفجر ليتعرف على المخربين من اعدائه لينالوا جزاءهم رميا بالرصاص امام الحشد. وانتظرنا طويلا حتى انتصفت شمس الظهيرة، ومرت الدقائق ثقيلة في حساب الزمن الذي لم نعرف ما تبقي لنا منه. اخذت ساقاي تصطكان ببعضهما ولا تقدران على حملي من شدة التعب والارهاق، واوشكت على الاستسلام للمصير الذي ينتظرني في حال وصول المارشال.

واخيراً انطلقت الابواق معلنة عن وصول المارشال (صاحب الفراسة الفريدة). انتابني الاضطراب وتسارعت نبضات قلبي ودكت اضلاعي بعنف حين بدأ المارشال باستعراض المحتجزين واطلاق رصاصة غادرة على رأس من يقع عليه اختياره.

تساقط العشرات مضرجين بدمائهم، واقترب موكبه من الطابور الذي اقف فيه. ايقنت باقتراب الاجل وارتخت مفاصلي، ويبس لساني وتهيأت جمجمتي لتستقر فيها رصاصة من مسدس المارشال.

تبصرت الشمس لامتع ناظري باخر لحظات اللقاء معها، رأيت اشعتها تحرق اديم الارض، تابعتها فإذا بالارض تنشق رويداً رويداً وتنحدر اليها دماء الضحايا. وبلمح البصر انبثقت من بين تلك الشقوق سنابل خضراء، نمت بسرعة وارتفع قوامها الممشوق، وتحولت احداها الى فتاة بثوب اخضر، ذات ضفائر طويلة، ووجه صبوح، وعينين مزينتين برموش ذهبية، ابتسمت بوداعة وتقدمت نحوي وشدت على ذراعي بلمسة رقيقة، ثم عانقتني بشوق وقبلتني بحرارة. شعرت بقوة عارمة تثبت اقدامي، وشحنة عالية من الشجاعة تسري في شراييني. فعادت نبضاتي لطبيعتها، وانزاح من بين ضلوعي ذلك الخوف الذي كان ينتابني. احسست بالاطمئنان حين تأملت جميع السنابل الخضراء وهي تعانق السماء.

بعد لحظات مر المارشال من امامي. حدقني من خلال عدستي نظارته، فرمقت فيهما شزراً ونظراتي تهشم اسوارهما لتخاطبه بصلابة: اني امقتك ايها الطاغية المستبد.

لم تستطع فراسته المزعومة التي قيل عنها الكثير ان تقرأ افكاري وتتعرف على وضعي وهو يأمر بفك قيدي.

حينها ادركت ان كل ما روّج عن تلك الفراسة، وهم وزيف وكذب وخداع. خرجت من تلك التجربة وبدأت من ساعتها ازرع الرعب والخوف في قلب المارشال حتى توقفت نبضاته تماماً.

hyder.alhyder@yahoo.com



ليست هناك تعليقات: